المحتويات
- ملخّص البحث
- الإلبيري، حياته ومميزات شعره
- النظرة الجمالية في شعر الإلبيري
- القيمة الجميلة في طلب العلم
- خاتمة
- المصادر والمراجع
ملخّص البحث ^
يتناول هذا البحث بالدراسة الشاعر الأندلسي أبا إسحاق الإلبيري (توفي عام 460هـ) الذي غلب على شعره تيار الزهد. فقد ارتبطت أحكامه الجمالية بنظرته المستندة إلى مجموع معتقداته الدينية وسلوكه في الحياة. وبهذا يهدف البحث إلى تقصّي التقارب بين الملامح الجمالية والدينية في شعر الإلبيري في جوانب: القيمة الجميلة في طلب العلم، والعذاب في لوم النفس، وهجاء قبح الحياة الفانية، والجمال بين الشباب والمشيب.
الإلبيري، حياته ومميزات شعره ^
الإلبيري، “هو إبراهيم بن مسعود بن سعد التُّجيبي: يكنى أبا إسحاق واشتهر بالنسبة إلى مدينة إلبيرة فقيل فيه الإلبيري” وقد “كان من أهل حصن العُقاب (القريب من غرناطة)، وارتحل إلى غرناطة فعدّ في أهلها؛ واستمرّ فيها إلى أن غُرّب إلى مدينة إلبيرة، واشتهر في هذه المدينة حتى اكتسب النسبة إليها. وله قصيدة مؤثرة في رثاء هذه المدينة بعد خرابها.” “ذكر الشاعر في إحدى قصائده أنه تجاوز الستين عاماً، وذكرت الكتب التي ترجمت له أنه توفي نحو سنة 460هـ؛ وعلى هذا فإن مولده يكون في أواخر القرن الهجري الرابع.” ، أما شعره فأكثره “في الزهد والتصوف والحِكَم تغلب عليه العاطفة الدينية وشيء من التشاؤم.”
عاش الإلبيري، حيثما تنقّل في مدن الأندلس، محاطاً بأجواء يسّرت له أمور حياته، فهو لم يكن يوماً منعزلاً أو يعيش على الهامش، بل كان له حضوره اللافت، وصلاته الوثيقة بأقطاب في المجتمع، هيأت له أن يكون شعره مسموعاً بين الناس، ذائعاً سارياً. وبذا نجد أن تيار الزهد في شعره كان ناجماً عن اختيار، ونتيجة التأمل الهادئ لأحوال الحياة، بعيداً عن فاقة قاتلة، أو نقمة على ظروف الحياة وتقلباتها، يقول الإلبيري:
ولقد أصبتُ من المطاعم حاجتي
ومن الملابس فوق ما هو ساتري
وأنا لَعمرُك مُكرَمٌ في جيرتي
ومعظّمٌ ومبجّل بعشائري
وقد صدر الإلبيري في شعره عن اتجاه يجعل ركائز الإسلام ومعتقداته أسساً ينطلق منها لتَكون الخطّ الناظم لموضوعات شعره التي أبرزُها الزهد. يعزز ذلك الظروفُ المتقلبة التي كانت بلاد الأندلس تعانيها في تصدّيها للإسبان على الحدود وما يشكلونه من خطر بتنصير المدن التي يستولون عليها، وكذلك لزوم الإلبيري في غرناطة القاضي علي بن توبة، وعمله كاتباً له. لقد “كان عصر ملوك الطوائف عصر تفكك اجتماعي وضعف سياسي، ولكنّه كان أيضاً عصر زهو حضاري ورقي ثقافي. إن أول ما يلفت نظرنا في عصر ملوك الطوائف اضطراب الحياة الاجتماعية بالفتن الداخلية: بالمنازعات بين العرب والبربر وبالاقتتال بين ملوك الطوائف وبالحروب بين المسلمين والنصارى.”
وليس أدلّ على انخراط الإلبيري في الحياة العامة من تطرق بعض قصائده إلى أحوال المجتمع حوله، ومنها قصيدة يمدح فيها القاضي ابن توبة، وقصيدتان يعرّض في إحداهما برجلٍ كان يطلب الكيمياء، وفي الأخرى بآخر كان قد هجا القاضي ابن توبة. وله قصيدة مشهورة في هجاء الوزير اليهودي ابن النغرالة، حرّضت الناس وألّبتهم على الوزير فكان مقتله في ثورة عارمة.
وإلى ذلك تنوّعت أغراض قصائد أبي إسحاق الإلبيري، من رثاء زوجته والتفجّع على خراب مدينة إلبيرة، إلى مديح صديق أو الدفاع عن رجل علم. غير أن طابع الزهد كان هو المهيمن والحاضر بقوّة في قصائده.
إن الإلبيري على الرغم من نزعته إلى الزهد، لم يعتزل الناس ولم يدعُ إلى نبذ نشاطات الحياة والابتعاد عن مسؤولياتها، بل نجد لديه اندفاعاً نحو الحياة ورغبةً في القبض على أسرارها وذلك بروحٍ قتالية أقرب إلى الشراسة منها إلى التكتيك والمراوغة. قوامه في ذلك تراكم خبراته في الماضي، فأبياته تكشف عن تمرّسه بالحياة في مراحلها المختلفة، وتجاربه في نعيمها تارةً، وبؤسها تارةً أخرى، لاسيّما مرحلة الشباب:
ولي شأوٌ بميدانِ الخطايا
بعيدٌ لا يبارى بالرياحِ
فأنا اليوم عن هواهنّ سالٍ
وقديماً بهنّ كنتُ متيّمْ!
ولقد رأيتُ من الزمان عجائباً
جربتُها بمواردي ومصادري
وهو ينطلق من رغبة صادقة في نقل تجربته إلى الآخرين، وخلاصة هذه التجربة تكمن في النزوع إلى الزهد والتعفف في متاع الحياة، والدعوة إلى التمسّك بحميد الصفات وأهمُّها طلبُ العلم، والحرص على روح دين الإسلام. ولكنه بذلك لا يتتبع النصّ على التعاليم بحرفيتها من صلاة وزكاة وصيام، وإنما يبثّ في القصائد جوهر الإرشاد إلى ما يقترب من الطبيعة الإنسانية التي تخاف الطبيعة الخارجية، فيقارن بين نعيم الجنة وألم النار، وبين فضل العلم بمكانته الرفيعة، وما يستتبعه الجهل من ضياع وفساد، ووسيلته إلى ذلك تصويره كفّتين تحتويان النقيضين وموازنته بينهما بالحجج والأدلّة. إنه يضع المتلقّي الآخر دائماً نصب عينيه، كي يوصل إليه الرسالة ويفسح المجال له للاستنتاج. كما أنه في غير قصيدة، يجعل من نفسه صورة للإنسان المعذّب، بين حياته الفانية المليئة بالآثام، وما ينتظره من الجزاء الأليم، جاعلاً من البكاء والتوبة طريقاً نحو النجاة وبلوغ الأمان.
إنه كثيراً ما يلجأ إلى التمثيل العنيف لصراع الإنسان مع ذنوبه التي تحتويها مسيرة حياته، فينصّ على أنها معارك ضارية، فيها طرفان متصارعان يروم كل منهما النيل من الآخر، وتبرز من هنا أو هناك حجج داعمة لكل من الجانبين:
فأنا كمن يلقى الكتيبةَ أعزلاً
في مأزقٍ متعرّضاً لنِزالِ
وقد سلّ الحِمامُ عليّ نصلاً
سيقتلني وإن شاكَتْ سلاحي
ورحى الموت تستدير علينا
أبداً تطحن الجميعَ وتَهْشِم
لو بروقِ الزمانِ ينطح يوماً
ركن ثهلانَ هدّه فتهدّمْ
النظرة الجمالية في شعر الإلبيري ^
إن فكرة المصير في الزمان هي المجال الأوسع الذي يحتوي نتائج الصراع وأسبابه، كما أن كون الحياة الدنيا هي مسرح الصراع يتيح للشاعر لفت انتباه المتلقين جميعاً لأن كلاً منهم يجد نفسه متعاطفاً مع شخصية الإنسان في معركة القصيدة.
لقد تداخل هذا التصوير، مع الجانب الفكري في نظرة أبي إسحاق الإلبيري إلى الحياة بتفضيله سلوكاً معيّناً من الزهد والحثّ عليه في مقابل تصرفات أخرى مستهجنة اجتماعياً يرفضها الشاعر ويدعو إلى تركها بل محاربتها، وهذا ما يدعونا إلى تتبع نظرته الجمالية إلى الحياة، فالعمل الأدبي يجسد شريحة من المجتمع تعكس جوانب عديدة منه، لعلها لا تشمله برمّته، لكنها في الأحوال جميعاً تساعد في فهم الفكر الذي ينطلق منه إلى تصور غائيّة الحياة وطرق التعايش فيها. إننا في نظرة شاملة إلى الفلسفة الإسلامية نجد أن الأصل في الأشياء هو الجمال: ففي الحديث النبوي “إن اللـه جميل يحب الجمال”، “فالجمال الكلي، هو جمال العالم بمختلف أجزائه وجوانبه ومستوياته. إنه الجمال المشرق على عالم الملكوت وعالم الجبروت أو عالم النفوس وعالم الأجسام المعدنية والنباتية والحيوانية والإنسانية. ولهذا فإن العالم جميل بكليته، وجماله مشتق من الجمال الإلهى تحديداً. وبذلك قيل: ما ثمّ إلا جمال”. أما القبح فهو عارض إنما يأتي ليبين قيمة الجمال فيما عداه من أشياء، وهو بذلك جميل في النظرة الكلية لأنه يؤدي وظيفة تخدم الجمال. إن “القبح ليس قبحاً في الأصل، بل هو جمال، ولكن من نوع خاص، أي أنه جمال على صعيد الوظيفة حيث يُظهر جمال الجميل، ولولاه لما كان للجمال ذلك الظهور. بل إن الجيلاني يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يقول “كل ما خلق اللـه تعالى فهو مليح بالأصالة، لأنه صُور حسنه وجماله، وما حدث القبيح في الأشياء إلا باعتبارات وهي في نفسها حسنة”.
ولعلّ هذا لا يتناقض جذرياً مع ما يورده علم الجمال على لسان غويو الذي يقول بأن الجمال هو ما يقرّبنا من الحياة ويعززها، فيقول “إن العاطفة الجميلة، والميل الجميل، والعزم الجميل، كل ذلك إنما يكون جميلاً لأنه يفيد نمو الحياة في الفرد وفي النوع” . ويوافقه تشيرنيشيفسكي الرأي فيقول “الرائع هو التوازن بين الفكرة والصورة… الرائع هو الحياة”. أماّ القبيح فهو كل ما يذكّر بالموت “فإذا كانت الحياة وتجلياتها هي الجمال، فالمرض وعواقبه هي بالتالي القبح”. إنه النهاية التي تعني المصير المرعب بالنسبة إلى الإنسان في كل العصور. ويرد ذلك عند كثير من علماء الجمال ومنهم لالو الذي يتحدث عن دور الطبيعة: “وعلى هذا النحو، فلكي تكون الطبيعة قبيحة، يجب أن تبدو أنها أخطأت هدفاً ما، وأن نتهمها … بأنها فشلت في تطبيق صياغة فنية ملازمة”.
لقد أطلق الإنسان لفظ الموت على ظاهرة انتهاء الحياة عند الكائن الحي، وزوال مظاهر أدائه لدوره فيها من التنفس والحركة وغيرها. وأمام هذه الصدمة تدرجت الإنسانية وتنوعت في تصوراتها من أجل التوصل إلى حلٍّ يبعث على المصالحة مع الحياة والسكينة والراحة النفسية. فبتصوّر الروح ماهيةً منفصلة عن الجسد، كانت إمكانية التتبع إلى تصور مستقَرّ هذه الروح. فتخيّلت الأقوام الأولى البدائية أرواح الأجداد في طواطم القبيلة على هيئة حيوانات مقدسة، في حين توحدت هذه الأرواح عند غيرها بالطبيعة مباشرة وعند الهنود الحمر تكون “المياه البراقة التي تتحرك في الجداول والأنهار ليست مجرد مياه بل هي دماء أسلافنا… فعليك أن تعطي الأنهار نفس المحبة والعطف التي تقدمها لأي أخ” . وإننا نجد عند أتباع الهندوسية وغيرها فكرة التناسخ إذ “ترى الهندوسية أن الأرواح الفردية، وتسميها بالـ (جيفا) قد دخلت العالم على نحو سرّي… إنها تبدأ كأرواح أبسط شكل من أشكال الحياة، ولكنها لا تتلاشى ولاتفنى بموت أجسامها الأصلية… هذه العملية التي تمر بها الروح الفردية (الجيفا) خلال سلسلة متعاقبة من الأجسام تعرف باسم التناسخ أو هجرة الأرواح، وفي السنسكريتية تسمى (سامسارا) وهي كلمة تعني حرفياً (معاناة أو مقاساة شديدة)” . وهذه الأفكار والتصورات كلها استتبعت عدداً من الطقوس والعبادات التي نظمت بدورها حياة هذه الشعوب كما رأينا حول فكرة واحدة هي الموت، إلى أن جاءت الديانات الأحدث عهداً ومنها الإسلام، فنصّت على ما بعد الحياة الدنيا أي الحياة الآخرة بما فيها من الجنة ثواب الصالحين والنار عقاب المفسدين، كما ورد في النصّ القرآني: “فأمّا من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى* وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى* فإنّ الجنّة هي المأوى*” . وهذا بما يتفق مع حضارات سابقة كثيرة آمنت بوجود حياة أخرى بعد الموت يعود فيها الجسد والروح معاً إلى العيش الأبدي إما في نعيم أو في جحيم بحسب التزامه تعاليم الدين من الأوامر والنواهي بما فيه صالح المجتمع كله.
إن أبا إسحاق الإلبيري كان يصدر في شعره عن المفهوم الديني الإسلامي للحياة والموت، موقناً بوجود الحياة الأخرى بعده. ولكن هنا تبدأ الرحلة المضنية، فالطريق في الحياة الدنيا التي يعيشها الشاعر يحفل بالعذاب الناتج عن الترجح في الجدلية بين المغريات وسبل التقوى.
يكمن الكمال في الذات الإلهية التي يصدر عنها كل شيء جميل، وبذلك يكون اللـه هو الجميل، وكل جمال عداه ناقص، كما أن “الموجودات كلها إنما تستمد جمالها من كونها، قبل أن تكون بالفعل، موجودة بالقوة في العلم الإلهي، فهي تستمد جمالها من جمال مصدرها الذي كانت في علمه قبل أن تكون.” ، بما في ذلك الجمال الموجود في الحياة الدنيا. بعبارة أخرى: إن ما يمنع الحياة من أن تكون جميلة، رغم احتوائها الظواهر والأشياء الجميلة المفردة هو اشتمالها على مفهوم الموت المخيف المعكّر لإمكانية تملك الجمال كاملاً، ومن البدهي أن الحقيقة الفيزيائية الأكثر قرباً من الموت والمؤدية الأساسية إليه هي ظاهرة الزمن. فالحياة قاصرة عن أن يدركها الكمال لا لذاتها، وإنما لقصور الإنسان نفسه عن الإمساك بمتعها الفانية مع فناء عمره وعامل الزمن الذي يؤدي إلى شيخوخة حواسه وتغير نظرة المجتمع إليه.
إن الإلبيري في نظرته هذه، يرى الدنيا مقيسة بوجهة أقرب إلى المثالية، فيحصر وعي الإنسان لها، بإدراكه حقيقة أحادية الجانب هي أنه مركز الإحساس ينطلق من نفسه إلى العالم المحيط، ويرى مظاهر الحياة التي تبدأ بولادته وتنتهي بموته:
وليس يقوم الجسمُ إلا بروحه
هو القطْبُ والأعضاءُ كالأدواتِ
وهو قد يتجاوز ذلك، ليقول إن الدنيا نفسها فانية، ستزول ذات يوم بما فيها، فهي في ذلك تشبه الإنسان نفسه.
لقد تصور الإلبيري استقرار الكمال في الحياة الآخرة، بوصفها الأقرب إلى الذات الإلهية بما هي مرحلة نهائية حيث يختفي مفهوم الزمن الفيزيائي ليحل محله مفهوم الخلود. ولكنّ هذا التصور لم يدفعه إلى نبذ الدنيا، والانقطاع عنها إلى الاقتصار على العبادة والانعزال عن الناس، بل أدى به إلى ما يتوافق مع طبيعته وشخصيته، فانخرط في الحياة اليومية بما لا يخلو من تأمل لأحوال الناس وتقدير لظروفهم وفهم لأخلاقهم وتباين نظرات بعضهم إلى بعض ضمن مجريات الأيام والتغيرات التي يحدثها الزمان. فكانت نظرته الجمالية المتبدية في شعره، يتخذ فيها من الحياة الآخرة مثلاً أعلى يحفزه على الحكم على الدنيا من منظور القيم الاجتماعية العامة، وإلى جانبها علاج الآفات ذات الطابع الاجتماعي وذلك من خلال الارتكاز إلى القيم الدينية من مكارم الأخلاق والوقار، مستحسناً بعض الظواهر تارةً، ومستقبحاً بعضها تارةً أخرى.
إنّ أبا إسحاق الإلبيري، في غير قصيدة يتقصّد تصوير الإنسان مع الموت، وحواره مع الإنسان الآخر، أو لومه نفسه، مستعرضاً في ذلك عناصر القبح، ودواعي الجمال، مناقشاً إياها بما ينسجم مع وجهة نظره ودعوته إلى الخلاص للفوز بالجنة في الحياة الآخرة.
القيمة الجميلة في طلب العلم ^
ولعلّ في مطلع قصيدته الأولى في الديوان صورة للعناصر الجمالية، ومدخلاً يتيح التوسع فيما يشاكل هذه العناصر في أجزاء كثيرة من الديوان.
تفتُّ فؤادك الأيامُ فتّا
وتنحِتُ جسمَك الساعاتُ نحتا
وتدعوك المنونُ دعاءَ صدقٍ
ألا يا صاحِ: أنتَ أريدُ أنتا
أراكَ تحب عِرساً ذات غدرٍ
أبتَّ طلاقَها الأكياسُ بتّا
تنامُ الدهرَ ويحَك في غطيطٍ
بها حتّى إذا مِتَّ انتبهتا
فكم ذا أنت مخدوعٌ وحتى
متى لا ترعوي عنها وحتى
أبا بكرٍ دعوتُك لو أجبتا
إلى ما فيه حظّك إن عقَلتا
إلى علمٍ تكون به إماماً
مطاعاً إن نَهَيتَ وإن أَمرتا
وتجلو ما بعينك من عَشَاها
وتهديكَ السبيلَ إذا ضللتا
وتحملُ منه في ناديكَ تاجاً
ويكسوكَ الجمالُ إذا اغتربتا
ينالك نفعُه ما دمت حيّاً
ويبقى ذخره لك إن ذهبتا
تُبتدأ القصيدة عند عتبة المرور من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة: الموت. فالشاعر يلفت انتباه المتلقي مباشرة إلى مشكلة الإنسان، بواسطة أسلوب الخطاب الهجومي الذي يحتم وجود متلقٍ: (تفتُّ فؤادك الأيامُ فتّا)، فالبداية مع فعل (تفتّ) بدلالته التدميرية، إلى (فؤادك) حيث كاف الخطاب تنبّه المتلقي أنه المعني بالفعل، بل فؤاده أي صميم حياته هو المستهدف، ثم يستبين الفاعل وهو (الأيام)، الزمن الذي يمضي وهو يفتّ، ثم يأتي المفعول المطلق (فتاً)، ليدلّ على المبالغة في الفعل وكأن على المتلقي إن كان غافلاً أن يناله مزيد تنبيه. ثم إنّ الشاعر ينتقل إلى صورة في الشطر التالي تتناسب مع سابقتها في الشدة والأسلوب: (وتنحِتُ جسمَك الساعاتُ نحتا)، وهذا من باب بثّ الرعب في نفس المتلقي وجسمه معاً. ومع توالي الأبيات تتكشف لنا الصورة، حيث يجد الإنسان المخاطَب نفسه قد زُجّ في صراع طرفه الآخر هو المنون/الموت الذي يتسلل إليه بعد الأيام والساعات التي أهّبته، فيكثّف أدواته اللغوية جميعها لتترك أثرها في المتلقي، بتوالي حروف المدّ في نداءٍ مهيب (ألا يا صاح)، ومن ثم ينتقل إلى ما يشبه الحفيف مكرراً ضمير المخاطب لمزيد من التوكيد على قصدية الموت الذي لا ينسى أحداً أو يتركه أو يمهله (أنتَ أريدُ، أنتا).
بعد هذا كله، وبعد أن لعب الموت دوره في تنبيه المتلقي المخاطب، يُدخِل الشاعر المتكلم في مواجهة مع مخاطبه/صاحبه بفعل (أراكَ) ليمضي إلى وصف ما يرى من تردي صاحبه في الملهيات، وهنا تدخل الصورةَ شخصياتٌ جديدة، هي الرجال الأكياس الذين يقفون إلى جانب الشاعر في لوم صاحبه على الانشغال بالدنيا، ومن أبرز صفاتها أنها العروس الغادرة التي لابد من (طلاقها) تركها حتى يلتفت المخاطب إلى ما بعد مفارقته الحياة إلى الموت، المرحلة الفاصلة بين الحياة والآخرة.
يخاطب الشاعر صاحبه مجدداً: (أبا بكرٍ دعوتُك) قبل أن ينصرف إلى نصحه وترغيبه بالعلم، واللافت أنه يسهب في ذكر فضل العلم وما يمنح صاحبه من مكانة رفيعة ومنزلة مرموقة في الدنيا، ثم يكتفي بالتلميح إلى بقائه ذخراً في الآخرة (ويبقى ذخره لك إن ذهبتا).
يلفت الشاعر الانتباه إلى أن الموت ليس هو القبيح، وإنما القبيح هو الإنسان الأعزل المستسلم للموت دون سلاح، لذلك يحاول الشاعر عن طريق النصح، حماية هذا الإنسان من أن تلحق به صفة القبح. وهو في نصحه يقلب ببراعة جانبي الجميل والقبيح، فهو يوجه بؤرة المشهد ويركّزها على الزمن بأيامه وساعاته، فيمهّد بأنه يجسّد الشيء المخيف المرعب الذي يفتّ وينحت تأهيلاً للزوال، لكنه سرعان ما ينتقل إلى الحديث عن الشيء الأوسع الذي يحتوي هذا الزمن بين دفّتيه: الموت والحياة التي من خلالها يستوعب الإنسان مفهوم الزمان ويدرك تأثيره. إنّ الوصف الأولي للحياة يظهرها في أجمل هيئة (أراكَ تحب عِرساً)، فهي الفتاة ليلة عرسها والمخاطب مأخوذ بجمالها. غير أن ما يليها من وصف يأتي ليلقي عليها أقسى الصفات القبيحة، لا في ذاتها فحسب، وإنما في نظر العقلاء أصحاب البتّ في الأمور (ذات غدرٍ أبتَّ طلاقَها الأكياسُ بتّا)، وهذا ما يستتبع ردة فعل لدى المتلقي المخاطب تفتح أمامه باب الحيرة بين العاطفة والعقل، ولكلّ منهما الدور الكبير في حياة الإنسان.
ومن هنا تتضح لنا النظرة الجمالية لدى الشاعر مما ينطبق على ديوانه كاملاً، فهو يقرّ أن المرء يحبّ الحياة ويندفع إليها في شوقٍ، لكن هذه الحياة أقبح ما تكون إذا كانت مليئة باللهو والضياع، في حين أن الشيء الجميل الوحيد فيها هو طلب العلم الذي يفصّل الشاعر في فضله على صاحبه، بما يجلبه له من حسن السيرة والصدارة بين الناس، والكلمة المسموعة بينهم، فهو التاج، وهو الكساء الجميل في كل مكان يرتحل إليه صاحبه. وبذلك يربط الشاعر جمال العلم بنفعه المباشر، فهذا النفع قيمته معنوية، لكنها تحمل صفة مادية بملازمتها صاحبه في الحياة، وصفة معنوية بما تحيل إليه من الحسنات التي اكتسبها من نفعه غيره، وذلك ذخره عند رحيله إلى العالم الآخر.
العذاب في لوم النفس:
تغازلني المنيّة من قريبٍ
وتلحظني ملاحظةَ الرقيبِ
وتنشرُ لي كتاباً فيه طيي
بخطّ الدهر أسطرُه مشيبي
أدال الشيبُ يا صاحِ شبابي
فعُوّضتُ البغيضَ من الحبيبِ
كذاك الشمسُ يعلوها اصفرارٌ
إذا جنحت ومالت للغروبِ
تحاربنا جنودٌ لا تجارى
ولا تُلقى بآسادِ الحروبِ
هي الأقدار والآجال تأتي
فتنزلُ بالمطبَّبِ والطبيبِ
تفوّق أسهماً عن قوسِ غيبٍ
وما أغراضها غيرُ القلوبِ
وما آسى على الدنيا ولكنْ
على ما قد ركبتُ من الذنوبِ
إذا أنا لم أنُح نفسي وأبكي
على حوبي بتهتانٍ سَكوبِ
فمن هذا الذي بعدي سيبكي
عليها من بعيدٍ أو قريبِ؟
يحوّل الشاعر البؤرة في هذه القصيدة، فينقلها إلى نفسه التي تستحق اللوم والعتاب، وهو في حواره ينطلق من أرضية مثالية ذاتية ليس أدل عليها من البيتين الأخيرين اللذين ينوح فيهما على نفسه ويؤكّد أنها منعزلة عن الآخرين في وعيها حزنها، وأن لا شأن لغيرها بشؤونها، فنفس الشاعر تدخل في علاقة مع المصير هي المسؤولة عنها وهذه العلاقة شأن يخصها وحدها.
يعتمد الشاعر الإشارة الواضحة إلى الزمن الحاضر باستخدام الفعل المضارع (تغازلني، تنشر، تحاربنا، تُجارى، تأتي…) كي توحي إلى المتلقّي في أي زمنٍ كان أنه معنيّ بما يقال.
ليست المعركة الحدث الأساسي في القصيدة، ولكنها وسيلة من خلالها يصور الشاعر مدى خلافه مع الحياة الدنيا. إن مشكلته ليست مع الموت، فهو متصالح مع فكرة الموت ولا يحاربها من حيث هي واقع لا محالة، وإنما يحارب كل ما يسبق الموت، أي هو محصور بالزمن الذي هو الصفة الفيزيائية الأكثر بروزاً للحياة. فما يعطي الزمن قيمة ويمكّننا من الإحساس به هو توالي حوادث الأيام. يعرض الشاعر أبرز هذه الأحداث ويبيّن دورها بوصف حياته نموذجاً لتأثير الزمن على الإنسان، وهو بذلك ينفي الجمال عن كل الظواهر في الحياة. إن ذات الشاعر ترى القبيح هو المسيطر فيصبح صفة للحياة.
الشاعر وقد ناله المشيب وتقدم السن يفزع مما حوله، فذاته تحاصره حتى وهو يحاول الهرب إلى الطبيعة، لأنه يشهد النهار مماثلاً لعمر الإنسان، له بداية في الصباح ونهاية عند الغروب، ولا يجد في الشمس عزاء سوى أنها مثله، تزول شدّتها وزهوها لتصير إلى اصفرار عند اقتراب الغروب إيذاناً بنهايتها وسيطرة الظلام.
المنيّة، الأقدار والآجال هي حشود الجنود التي تحارب الشاعر الإنسان الأعزل، في صورة تتحول إلى مخيفة قبيحة بعد أن كانت ذات إيحاء جميل. إن الشاعر يتدرّج في عرض مشكلته مع الزمان وصولاً إلى المعركة، فكأنه يستعرض تصويراً بطيئاً يوضّح الفارق بين الشباب والمشيب منطلقاً من نقطة تفجّرِ الوعي. فوعي الشاعر لمفهوم الزمن لم يتحقق إلا إثر صدمة مرعبة من المفارقة: يخاطب الشاعر نفسه (تغازلني المنيّة من قريبٍ)، فالغزل إشارة إلى إحدى لوازم مرحلة الشباب التي يتضمنها الاندفاع إلى الحياة والاستئثار بمباهجها، وتوحي بأنه يحظى بالقبول الذي يعني تثبيت مواقعه في العيش. غير أن الكلمات التالية المتتابعة تلقي في روعه الخوف الإنساني الطبيعي، لكنه هنا مكثّف نظراً للمفارقة بين الغزل، والمنيّة. صار الإقبال على الشاعر ذا دلالة عكسية، فبدلاً من أن نتوقع من الشاعر تجاوباً مع المتغزّلة وتحبّباً مماثلاً إليها، يجد المتلقي نفسه نافراً لا من الموت، وإنما من التغزّل نفسه لأنه أضحى مرتبطاً بدلالة الموت.
إن الصدمة لا تكمن فقط في أنّ قرب المنيّة حرم الشاعر من نيل التغزّل والإعجاب ونفي هذه المباهج، بل تكمن في أن هذا الفعل بهذه الصورة انتقل إلى جانب المنيّة، وهذا ما يفتح أمام المتلقّي أسئلة حول ما تحفل به الحياة، ويصيبه بذعر مخيف من أن يستولي هاجس الموت على كل شيء، فتصبح الحياة مع التقدم في السن فاقدة لكلّ المعاني، وكلّ الأفعال مادام الموت يقف بالمرصاد. ومن هنا نجد الانقلاب في القيمة الجمالية، فكل ما هو جميل من منظور الماضي الشاب، ينقلب إلى قبيح في الحاضر حيث المشيب. إن الشاعر من حيث هو منفعل بهذه الصدمة لا يملك أن ينظر إلى الأشياء والظواهر من حوله نظرة موضوعية، فكل شيء يستجدّ عليه ويسهم في إعلان اقتراب الموت يتحول بالضرورة إلى قبيح، لذا يمتد هذا التحول ليطبع الحياة بحكم القبح بعد أن تتهاوى أفعالها ومعانيها الواحد تلو الآخر يوماً فيوماً، كما كانت دلالة الساعات والأيام في القصيدة السابقة.
إن القيمة الموضوعية أو المطلقة حيث لا سالب أو موجب هي الموت نفسه. اللافت أن الشاعر في هذه القصيدة لا يتحدث عمّا بعد الموت، وربما يكون مردّ ذلك إلى أن الصدمة التي نالت منه جعلته ينصرف إلى نفسه وما ألمّ بها من همّ. لكن مجرد إشاراته إلى الذنوب يعيدنا إلى إيمانه بوجود عالم آخر يحاسب فيه على ذنوبه وإساءاته في حياته، وهذا ما يفسّر سبب نَوحه في البيتين الأخيرين، لأنه يريد لنفسه السلامة في الآخرة من العقاب.
لقد كان الشيب أداة في يد الحياة ومظهراً يتجلى من خلاله الزمن، يحاول النيل من خصمه الإنسان، أما الإنسان نفسه فهو المتألم الذي يتخذ من عذابه سبيلاً إلى مقارعة زيف الحياة، ومظهر هذا العذاب هو البكاء الذي يحضّ عليه الشاعر بوصفه دليلاً على التوبة والندم وإثباتاً للرغبة في التقدم بشجاعة نحو المصير.
واللافت هنا هو التشابه الشديد مع أبيات بعينها لأبي نواس الشاعر العباسي (141 ـ 199هـ) الذي زهد وتنسّك في آخر عمره، وفي أبياته يدعو ربه بضراعة ليتقبل توبته، مثبتاً المحور على رحمة اللـه الواسعة بعباده المسلمين تحديداً، يقول أبو نواس:
يا ربّ إن عَظُمتْ ذنوبيَ كثرةً
فلقد علِمتُ بأنّ عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجوك إلا مُحسِنٌ
فبمن يلوذُ ويستجيرُ المجرِمُ
أدعوك ربّي كما أردتَ تضرّعاً
فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحَم
ُ
ما لي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجا
وجميلُ عفوكَ ثم أنيَ مسلِمُ
وبالمقارنة مع أبيات مشابهة لأبي إسحاق الإلبيري (توفي عام 460هـ)، ليس من المستبعد أن تكون أبيات أبي نواس قد تناهت إلى سمعه، فأراد إثبات جوهر المعنى مع ملامح من اللفظ بضمّها إلى لوحة تصوره الوجداني للعلاقة المتشابكة بين مفهومي الحياة والموت متوسّلاً بالدعاء والإيمان باللـه:
فعسى من لهُ أعفّر وجهي
سيرى فاقتي إليه فيرحَمْ
فشفيعي إليه: حُسنُ ظنوني
ورجائي له، وأنيَ مسلمْ
والحمد للـه ففي كفّهِ
منحٌ لمن شاء وفيها المِنَن
ْ
وهو الذي أرجو فإن لم يكُنْ
عند رجائي فيه طَوْلاً فمَنْ؟
لا قوّةٌ لي يا ربي فأنتصرُ
ولا براءةٌ من ذنبي فأعتذرُ
فإن تعاقبْ فأهلٌ للعقاب وإنْ
تغفر فعفوكَ مأمولٌ ومنتظَرُ
إنّ العظيمَ إذا لم يعفُ مقتدراً
عن العظيمِ فمن يعفو وقتدرُ؟
وإذا عدنا إلى القصيدة فإننا نرى أن الشيب هو من الأمور القبيحة لا لذاته، وإنما لدلالته على تقدّم الزمن وتضاؤل الفرص الكافية للتخلص من الذنوب عن طريق محوها بتقديم الحسنات، ويساعد على هذا الحكم تصوير الشاعر شيبه على أنّه سطور لكتابه الذي يلخّص حياته بما فيها. الشيب هو الظاهرة المرتبطة بوعيه الزمن وما يحمله في داخله من بذور الفناء، لكنّ اللافت هو أن الشباب يبقى حاملاً قيمة الجميل، بما فيه من الحبّ والغزل، فمن الواضح أن الشاعر يفصل بين الشباب بوصفه مرحلة جميلة انقضت بما فيها، والمشيب بوصفه مرحلة حاضرة لها حكمها وانطباعها الخاص بالقبح والخوف.
ومن هذا المنطلق يرى الشاعر أن مشكلته ليست مع الموت، وإنما هي مع الزمن، لذلك نراه مصراً على خوض المعركة، لا مع الموت، وإنما مع لوازمه وما يسبقه من مراحل: الأقدار والآجال، فهي ليست الموت نفسه، بل هي كما يصورها الشاعر جنودٌ موجودة من حولنا، يتنبّه إليها ذو الشيب، فيخال نفسه كل يومٍ في معركةٍ معرّضاً لسهام منها سلاحُها الغيب. فإما أن تصيبه، أو أن ترجئه إلى المجهول، وهي تجرد الإنسان من أسلحته التقليدية وغيرها، فلا تنفع معها الشجاعة ولا الطبيب أو نشدان وسائل السلامة، ولا هو يستطيع استمداد الأمل من الطبيعة، فهو في عذاب مقيم، يبكي عجزه وألمه، ويبكي الطبيعة نفسها التي تذكره شمسها بالأفول والزوال، الشمس التي تتحول من قيمة جميلة تمنح الحياة قوتها، إلى عنصر فعّال في منظومة القبيح المنذر بالرحيل.
إن استعانة الشاعر بظواهر الطبيعة في غير قصيدة تأتي غالباً لتعزز الدلالة إلى الفناء، وقلّما تقدّم العزاء لنفس الشاعر، فهي تذكير بالنهاية، وتوعّدٌ للدنيا نفسها بالزوال، ومن ذلك الأبيات:
ووصلتُ دنيا سوف تقطعُ شأفتي
بأفولِ أنجمها وخسفِ هلالي
والحظ بعينيكَ أديمَ السما
مِن طالعٍ فيها ومِن آفلِ
إننا نلحظ لدى الشاعر ميلاً إلى ظواهر طبيعية معيّنة دون غيرها، لاسيما ما كان منها متعلقاً بالسماء. ربما تكون الدلالة الأولى لها متجهة نحو ضرب المثل بالزمن الممتد غير المنتهي، فالكواكب والنجوم والشمس توحي بأنها دائمة تشرق وتغرب على أجيال متعاقبة من البشر الذي يموتون ويولد غيرهم والنجوم في مكانها. لكن هذه الدلالة الجزئية سرعان ما تفقد قيمتها الجميلة في العزاء، ليزول تصور خلودها عندما ينبّه الشاعر إلى الإشارة الدينية بأن الزوال سينالها هي الأخرى ذات يوم، وبذلك تنتفي عنها صفة الكمال وتنضم إلى مكونات الألم والبؤس في وعي الشاعر لحياته.
هجاء قبح الحياة الفانية:
من ليس بالباكي ولا المتباكي
لقبيح ما يأتي فليس بزاكِ
نادت بيَ الدنيا فقلت لها اقصري
ما عُدّ في الأكياسِ من لبّاكِ
ما زلتِ خادعتي ببرقٍ خُلّبٍ
ولو اهتديتُ لما انخدعتُ لذاك
ِ
قالت أغرّك من جناحكَ طولُه
وكأنْ به قد قُصّ في أشراكي
من كان يصرعُ قِرنه في معركِ
فعليّ صرعته بغير عراكِ
فأجبتها متعجّباً من غدرها
أَجَزَيْتِ بالبغضاءِ من يهواكِ؟
يُعصى الإله إذا أُطعتِ وطاعتي
للـه ربّي أن أشُقّ عصاكِ
وأخذتُ زادي منكِ من عملِ التُّقى
وشددتُ إيماني بنقضِ عُراكِ
مهلاً عليكِ فسوف يلحقُكِ الفنا
فتُرَي بلا أرضٍ ولا أفلاكِ
لا عيش يصفو للملوكِ وإنما
تصفو وتُحمَد عيشةُ النّسّاكِ
المعاني والتصوير في هذه القصيدة أكثر وضوحاً وتحديداً من سابقتها، فالشاعر يزيد وتيرته حدة في مواجهة الحياة. لقد تنقّل الإلبيري في أكثر من مدينة داخل الأندلس، وشهد خراب مدينته إلبيرة، ولعلّ انتقاله بذلك من مرحلة إلى أخرى، إلى جانب اندلاع المعارك والقلاقل على الحدود مع الإسبان كان يقرّب إلى مزاجه فكرة الانتهاء والفناء ويشجع فيه النزعة إلى هجاء الحياة، دون التخلي عن حقّ المواجهة، فهو على مستوى داخله النفسي اختار عراك الحياة بعنف، في حركة موازية لتصارع الأطراف خارجاً.
بعد أن يقرر الشاعر حقيقة يربط من خلالها قبح المصير بقبيح الأفعال، وينصّ على الحل الوحيد الذي يكمن في البكاء والندم على ما فات، ينتقل إلى حوارٍ يتبادل فيه الحجج مع الحياة الدنيا، واللافت في القصيدتين السابقتين وهذه القصيدة والتي تليها أن الدنيا بنظر الشاعر هي البادئة بإعلان الحرب، في حين يتم تصوير الإنسان على أنه مخدوع مباغَت يفاجأ بالشقاء بعد النعيم، والألم والخوف بعد طول اطمئنان، الأمر الذي يهيئه لمرحلة قاسية من العذاب النفسي، وذلك من خلال رصد العبارات: (تفتّ فؤادك الأيامُ، تغازلني المنيّة، نادت بيَ الدنيا، الشيبُ نبّه ذا النهى).
ففي قصائد كثيرة توصف الحياة الدنيا بالغدر والضبابية التي تستوجب الحذر والمواجهة كما في قول الشاعر:
سُجنتَ بها وأنت لها محبٌّ
فكيفَ تُحبّ ما فيه سُجِنتا؟
أنتِ السّرابُ وأنتِ داءٌ كامنٌ
بين الضلوعِ فما أعزّ دواكِ
وهجرتُ دنيا لم تزل غرّارةً
بمؤمّليها الممحضينَ لها الوفا
وطلّقوا الدنيا بتاتاً ولم
يلووا عليها حَذَر النارِ
إن الحياة الدنيا في هذه القصيدة تبدأ بنداء الشاعر/الإنسان، لكنه لا يقابلها بمجرد الفتور، وإنما بالهجوم، على المستوى اللفظي أولاً، فيأمرها بكفّ أذاها، وينعتها بالغادرة وجالبة البغضاء في إشارة إلى أنها بما ترتدي من رداء جميل مزيّن بالبروق اللامعة تخفي ظواهر قبيحة كفيلة بهلاك الإنسان. إن مفهوم الهلاك ليس المقصود به الموت الجسدي وإنما سوء العاقبة في الحياة الآخرة. وبناءً على ذلك تهبّ الحياة في حوارها مع الشاعر، فتستعرض قوّتها الغالبة في صراعها مع الإنسان. وهو يردّ بدوره محاولاً المناورة في مكانه بلوم الحياة على موقفها القبيح بمحاربته على الرغم من موقفه الجميل حيث كان هاوياً لها ملبياً نداءاتها. إن الشاعر يستمر في المناورة، لكنه يلجأ إلى التسلح بإيمانه بالحياة الأخرى، بوصفها الخصم المقابل للحياة الدنيا، ويشن هجوماً قوامه مغافلة الدنيا بالتسلل إلى العمق الخفي لها عن طريق سلوك الإحسان والتقى والإيمان المتحقق بعدم استيلاء النظرة الأحادية إلى الدنيا وحدها، بل إلى الآخرة حيث يلقى اللـه بزادٍ حسَن يؤهله نيل الثواب.
إن الذات الإلهية تدخل في هذه القصيدة الحيّز المباشر لإدراك الشاعر، مما يقوّي دفاعه عن نفسه، ويقابل تهديد الدنيا له، بتهديد مماثل يخاطب الدنيا فيه مذكّراً إياها أن خالقها سيودي بها ذات يوم فيتهاوى جبروتها (فتُرَي بلا أرضٍ ولا أفلاكِ)، وفي هذا وحده يقرّ الشاعر ضمنياً أن الدنيا زائلة، بما تحويه من ظواهر جميلة أو قبيحة، وبذلك لا يبقى سوى القيم المطلقة، قيمة الكمال المثالية حيث يتساوى كل شيء منصهراً في مصير واحد مستوٍ مسطّح، وأقرب شيء إلى مخيلة الإنسان هو حيث لا عمق ولا ارتفاع، لا أرض ولا أفلاك. والشاعر في هذا يستعرض الأفكار المتوافرة لديه من تكهنات الغيب التي تقضي على كل شيء بالفناء خلا اللـه صاحب الأمر. ومن هنا يخرج الشاعر بنتيجة يراها ناظمة لكل شيء بعد انتهاء المعارك، وهذه النتيجة هي حكمه الجمالي بالصفاء والطمأنينة اللتين يكتسبهما الناسك التارك مغريات الحياة الدنيا، مقابل الملوك الأغنياء اللاهين عن حقائق الفناء. إنه بذلك يقرّ أن لا اجتماع للأضداد إلا في المكان حيث الدنيا، أما في الحياة الآخرة فبينها بون شاسع. لقد انتقل بنا الشاعر من مكابدة العذاب بالبكاء والحسرة في البيت الأول مفتتح القصيدة، إلى تسويغ هذا العذاب والحزن في البيت الأخير، حيث يطبعه بطابع النسك، القيمة الجميلة المفارقة لمباهج الحياة الخادعة. المغريات التي يتطرق إليها في مواضع أخرى من الديوان ومنها الأبيات:
فمِنَ الغنى ما قد يضرّ بأهلهِ
والفقر عند اللـهِ ليس بضائر
فلا تثق بالغنى وآفتُه الفقـ
ـرُ وصرفُ الزمانِ ذو دُوَلِ
الجمال بين الشباب والمشيب:
الشّيبُ نبّه ذا النهى فتنبّها
ونهى الجَهولَ فما استفاقَ ولا انتهى
بل زاد نفسي رغبة فتهافتت
تبغي اللُّهى وكأنْ بها بين اللها
فإلى متى ألهو وأفرح بالمنى
والشيخ أقبحُ ما يكون إذا لها
ما حُسنُه إلا التقى لا أن يُرى
صبّاً بألحاظ الجآذر والمها
أنّى يقاتل وهو مفلول الظُّبا
كابي الجوادِ إذا استقلّ تأوّها
محَق الزمان هلاله فكأنما
أبقى له منهُ على قدرِ السّها
يا ويحه ما بالُه لا ينتهي
عن غَيِّهِ؛ والعمرُ منهُ قد انتهى؟!
قد كان من شيمي الدها فتركته
علماً بأنّ من الدها تركُ الدها
من ليس يسعى في الخلاص لنفسه
كانت سعايتُه عليها لا لها
إنّ الذنوب بتوبةٍ تمحى كما
يمحو سجودُ السهو غفلةَ من سها
يطالعنا مجدداً في هذه القصيدة ما يعزز كون التقى قيمة جميلة ينصّ عليها الشاعر صراحة (ما حُسنُه إلا التّقى). والشاعر هنا يفصل بين حالتي الشباب والمشيب، فكلّ منهما يحيل إلى قيم تكون جميلة في حينها، وهذا يتضمن إقراراً من الشاعر بحقيقة هي نسبية القيم الجمالية وتفاوتها من حين إلى آخر، ومحور الحكم الجمالي في ذلك هو الإنسان نفسه، أما المحرّك لوعي القيم فهو الزمن، المظهر الجوهري والتجلي الأوضح للحياة.
وتتنوع مكوّنات هذا المشهد المتراكب، ففيه الشاعر المتكلّم، والشيب، والآخر: الإنسان المستجيب لتنبيه الشيب، والآخر المتعامي عن الحقائق، الهارب من المواجهة. يبرز الشيب هنا بوصفه الحادث المفاجئ المحرّك للاستجابات السلوكية لدى متلقّيه، ثم إنّ الشيب يتحالف مع الزمن ليعمل فعله في الشخصية التي يقابل بها الشاعر نفسه، فيعقد مقارنة تتنقل من أحدهما إلى الآخر في حركة دؤوب.
يعرض الشاعر الطرفين على مستويين، فالزمان هو الخصم المشترك للشاعر الذي يتخذ في القصيدة مظهر الإنسان الملتزم سبل النجاة وهو المستوى الأول، والشيخ اللاهي الذي تتقطع به هذه السبل، وهذا هو المستوى الثاني. إن النجاة بما هي اطمئنان واستقرار لحال الفائز بها تشكل المثل الأعلى بتداخلها مع حياة النعيم في الآخرة، لذلك فإن كل ما يوصل إليها يكتسب قيمة الجمال، وعكس ذلك هو القبيح. إن المحرك والمنبه الأول هو الشيب الذي يظهر من خلاله فعل الزمن، فالشيب يتخذ هيئة الخصم الذي ينقضّ على منافسه منبّهاً إياه، فإما أن يكون المرء عاقلاً فيدرك حاله ويسعى إلى خلاصه، أو أن يكون جاهلاً غافلاً عما يحيق به من الخطر، وهو هنا خطر رحيل ما تبقّى له من الحياة دون الاستعداد بادخار التّقى للدار الآخرة. وبما أن الشاعر يلعب دور الشيخ المتّعظ، فهو يسارع إلى لوم نفسه على رغبته في الدنيا، ويسعى إلى صفات الجمال التي تؤدي إلى خيره فيما بعد، فبالتقوى والتوبة ينال الإنسان حسن المآب.
ترتبط ظاهرة الشيب في قصائد الشاعر بقيمة القبيح. صحيح أن الشيب عنده منطلق لتنبه المرء إلى ضرورة اتباع خيار التقوى والتوبة عمّا فات، والتهيؤ لاستقبال الحياة الآخرة، لكن الصدمة المفاجئة التي يصورها الشاعر في أكثر من قصيدة تفتح عيني الشيخ ووعيه على الحياة وقد غدت قبحاً مخيفاً يدعو إلى النفور من غدر الحياة، والتنحي عنها طلباً للفوز بما بعدها. كما يتخذ الشاعر في غير موضع الستين من العمر نقطة آن لمن بلغها أن يتيقّظ لما ينتظره:
أفي الستين أهجعُ في مقيلي
وحادي الموتِ يوقظُ للرواحِ
من جاوزَ الستينَ لم يجمُل به
شغلٌ بجملٍ والربابِ وغادر
بل شغله في زادهِ لمعادِهِ
فالزادُ آكل شغلِ كلّ مسافرِ
بصُرتُ بشيبةٍ وخطت نصيلي
فقلتُ لهُ تأهّب للرحيلِ
ولا تحقر بنذر الشيب واعلم
بأنّ القطر يبعث بالسيول
ِ
فكم ممن مَفارقهُ ثغامٌ
وأنجُمه على فَلَكِ الأفولِ
يا عجباً من غفلتي بعد أن
نادانيَ الشيبُ ألا فارحلَنْ
ليس جمال الشيخ إلا التّقى
والمحو للسوء بفعلٍ حسَن
ومع العودة إلى القصيدة فإن الشاعر لا يتعمق أو يفصّل القول في سبل التقوى وأنواعه من سلوك المرء مع الناس المحيطين به وإنما يكتفي برسم الصورة العامة، انطلاقاً من مثاليته التي تحتّم النظر إلى الصراع الفردي بين الإنسان والزمان، والإنسان بهذا وحيد لا محالة في مواجهة الخطر وعليه فقط تترتب مسؤولية أفعاله بحيث لا ينفعه التحالف مع أحد أو الاستعانة بالآخرين، كما يردد في إحدى قصائده:
ونفسَك ذمّ لا تذمم سوها
بعيبٍ فهي أجدر من ذممتا
هذه الوحدة في المواجهة تلفت نظر المرء الجهول إلى سوء العاقبة الذي ينتظره وقد تأهّب للخسارة بنيل الزمن منه. ومن أجل توضيح حال البؤس القبيحة التي أوصل ذاك المرء نفسه إليها، يلفت الانتباه أن الشاعر لجأ إلى مقاربة الإحساسات الجسدية، في حين أنه اكتفى بالإشارة المعنوية في بيان الجميل المقابل. إنه ينصّ على حكمه بالقبيح في قوله: (والشيخ أقبحُ ما يكون إذا لها)، ثم يعرض لعاطفة الصبابة والميل إلى الحسان بوصفها نقيضاً للتقوى، وارتداداً إلى الماضي بما لا يتناسب مع مرحلة المشيب. فهو يدعو هذا الشيخ إلى عدم التحسر على الماضي والشوق إلى ما كان فيه من شؤون الشباب الهاوي، فالماضي لن يعود ولا تجدي معه الحسرة، بل إنّ عليه التبدل إلى حالٍ من التعبّد والاتصال بعالم الآخرة، فالدهاء يكمن في ترك الماضي والالتفات إلى حاضرٍ من التوبة والتقى حيث الخلاص. كما يصور حال الشيخ وقد أعمل الزمان فيه فعله، فأفقد أسلحته حدّتها، فغدا واهناً وقد نال منه العمر.
ويوضح ذلك أكثر في حثّه على السعي لخلاص النفوس، بمواجهة الزمن بدلاً من تجاهله والوقوع فريسته. إن الزمان بذلك يظهر أشبه برجلٍ شرير، يهدف إلى التلوّن وإلهاء الناس عن حقيقة أنه يمضي وينتهي بالموت، لكنّ لوازمه هي إنذار يجدر بالناس التنبّه إليها. ومن هنا تأتي أهمية المشيب الذي افتتح به الشاعر قصيدته. ولعلّ في البيت الآتي صورة جميلة لكنها تخفي وراءها رعب النهاية، الأمر الذي يذكّرنا بصورة الشمس في القصيدة السابقة.
محَق الزمان هلاله فكأنما
أبقى له منهُ على قدرِ السّها
فالعمر يبدو في هيئة جميلة التشبيه بالهلال، لكن المتلقي يفاجأ بأن الزمن يستهدف هذا الهلال ليمحقه مزيلاً إياه من الوجود، لكنه لا يستوفي القضاء عليه، وإنما يبقي منه جزءاً بسيطاً لا يكاد يُرى. إن الشيخ يعلم أنه ما يزال حياً وفيه بقية من رمقٍ أخير، لكنّ وجوده بالنسبة إلى الآخرين بات مرهوناً بسنّة الحياة وطبيعة الزمان التي تعني أن الموت منه قريب بحيث إنه في مرحلة حرجة من الوجود أو عدم الوجود. تماماً كما هو السها، كوكبٌ خفيّ يمتحن الناسُ به أبصارهم.
خاتمة ^
لقد غلب على أسلوب الشاعر طابع المثالية الذاتية في نظرته إلى نفسه ومحاكمة علاقته بما حوله، ولكن على الرغم من ذلك كان في واقعه الموضوعي ما يحفز أهداف هذه المثالية، فمن حوله مجموعة من العلماء الأكياس الذين لا يني يذكرهم في قصائد كثيرة بوصفهم عناصر مساعدة على الخلاص من سطوة الزمن، يحظى عندهم سلوك التوبة والتقوى بكل قبول ورضا، وفيهم يرى مثلاً أعلى، فيحثّ على العلم بوصفه قيمة جميلة، ويمتدح فضله في أبيات كثيرة:
لئن رفَع الغنيّ لواء مالٍ
لأنتَ لواءَ علمكَ قد رفعتا
وقد صاحبتَ أعلاماً كباراً
ولم أركَ اقتديت بمن صحبتا
ويتحدث عن الطاعات ومنها العلم:
وتنشر عنك في الدنيا جميلاً
فتلفى البر فيها حيثُ كُنتا
كما يفرد قصيدة كاملة عن أولي العلم:
فاستعصَموا باللـه وكان التقى
أوفى لهم فيها من أوفى الجُنَنْ
فعالمٌ مستمجدٌ عاملٌ
يسلك بالناس سواء السُّنَنْ
فليتني كنتُ لهم خادماً
وليتني إذ لم أكنْ لم أكُنْ
لقد اتّخذ أبو إسحاق الإلبيري من ذاته نقطة ينطلق منها إلى المقارنة بالآخرين من حوله، والانتقال من الحيّز الفردي المحدود إلى الإنساني الواسع، فتنوّعت قصائده بين الترغيب بالحثّ على العلم والطاعات، والترهيب بذمّ التلهّي بالحياة والغوص وراء مغرياتها التي لها الدور الأكبر في صرف المرء عن التفكير في ذلك الجانب الديني الإسلامي الذي يتحدث عمّا وراء الموت، وما ينتظر الإنسان فيه من ثواب أو عقاب بحسب أعماله في الحياة الدنيا.
وكان في نظرته الجمالية يلعب تارةً دور الواعظ المهاجم غيره من اللاهين، وتارةً أخرى يتخذ دور الإنسان النادم الذي يحاول اللحاق بركب العلماء الأكياس، ويحارب قوة الدنيا التي تريد أن تصرعه، فكان هذا جانباً زاد من لفت الانتباه إلى الزهد ونظرة الشاعر إليه بوصفه قيمة جميلة في حياة الإنسان.
المصادر والمراجع ^
- القرآن الكريم
- أديان العالم، د.هوستن سميث، ترجمة: سعد رستم، حلب، دار الجسور الثقافية، ط1، 2005
- البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي، د.سعد الدين كليب، حلب، دار نون4، ط1، 2006
- تاريخ الأدب العربي، د.عمر فروخ، ج4، الأدب في المغرب والأندلس (إلى آخر عصر ملوك الطوائف)، بيروت، دار العلم للملايين، ط2 ، 1984
- ديوان أبي إسحاق الإلبيري، أبو إسحاق الإلبيري الأندلسي، تحقيق د.محمد رضوان الداية، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1976
- ديوان أبي نواس، أبو نواس، وضعه وشرح ألفاظه: محمود كامل فريد، القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، 1932
- سلطان الأسطورة، جوزف كامبل، ترجمة: بدر الديب، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2002
- علاقات الفن الجمالية بالواقع، تشيرنيشيفسكي، ترجمة: يوسف حلاق، دمشق، وزارة الثقافة، 1983
- فلسفة الجمال ومسائل الفن عند أبي حيان التوحيدي، د.حسين الصدّيق، حلب، دار القلم العربي، ط1، 2003
- مبادئ علم الجمال، شارل لالو، ترجمة: خليل شطا، دمشق، دار الهلال، 1951
- مسائل فلسفة الفن المعاصرة، جان ماري غويو، ترجمة: د.سامي الدروبي، دمشق، دار اليقظة العربية، ط2، 1965
- نشرت هذه الدراسة في : التراث العربي، مجلة فصلية محكمة تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، العدد 111، أيلول 2008، ص 155 : 174









آخر تعليق