إن الشعور بالتفرد هو عين الوجود الحر، وهو عينه سر الإبداع والتفوق، فقد جُبلت المجتمعات على استنساخ أفرادها فكرياً، وهي لا تسمح لأحد أفرادها أن ينبغ، وتحاربه إن فعل، لأن هذا النبوغ يكشف عجزها ووقوعها في التقليد، ويحرك ما فيها من مياه آسنة، فهي لذلك تتهم المتفرد المبدع بتهم جاهزة لديها، تتراوح بين الزندقة والكفر، وبين الرجعية والعمالة للخارج، بحسب طبيعة المجتمع إن كانت دينية أو علمانية.
احرص على أن تكون موجوداً بذاتك، ولن يكون هذا إلا إذا أدركت أنك فردٌ متميز لم يخلق الله لك مثيلاً بين الناس، بدليل أن بصمة إبهامك لا تشابهها أية بصمة أخرى، فإن لم تكن كذلك فأنت غير موجود على الحقيقة، وكل ما تفعله في حياتك لن يكون له قيمة، لأن قيمة ما تفعله مستمدّة منك، فإن كنت أنت لا تملك قيمة فكيف يمكن أن تمنح أعمالك قيمةً ما؟ إن كنت تنتظر أن يمنحك الآخرون قيمتك، فإنك انتظارك عبثي، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فاحرص على أن تكون قيمتك نابعة من وجودك الحر.
إنك تتنازل شيئاً فشيئاً، ولا تزال تتنازل، حتى لا يبق منك شيء. لصالح من تتنازل؟ ولماذا؟ لو أعدت التفكير لرأيت أن ما تكسبه من هذه التنازلات لا يساوي شيئاً، وتذكر أن تردد مع السيد المسيح: “ماذا أستفيد إذا كسبت العالم وخسرت نفسي؟”، لا تقل: الجميع هكذا، وتذكر أن المطلوب منك ليس تغيير العالم، بل تغيير نفسك، وإذا كنت عاجزاً عن فعل هذا فأنت تسوّغ عجزك بادعاء أنك لا تستطيع تغيير العالم. فلماذا تنتظر، وماذا تنتظر؟ لن تعيش لترى المسيح يعود، ولن تتمكن من رؤية المهدي. واعلم أن الأوان لم يفت بعد، تذكر أنك أنت الذي سيموت، وأن يوماً ما لن يكون له غدٌ بالنسبة إليك. كفاك عيشاً من أجل الآخرين وبهم، عش ما بقي من عمرك من أجلك أنت، فتلك هي الطريقة الوحيدة لتحدث فرقاً. كن موجوداً بذاتك لتتمكن من تغيير العالم، ولا تظنن أنك قادرٌ على ذلك إن كنت تعتقد أنك تملك الحقيقة المطلقة، إذ ما تزال أنت عينك تعاني ممن يظن أنه يملك تلك الحقيقة، وهو لن يستطيع أن يغيرك، إلا أنه يستطيع إخضاعك وإذلالك، لتتحول إلى مسخ لا قيمة له بالنسبة إليه إلا بحسب ما تقدمه له من خدمة في الحفاظ على وجوده مسيطراً عليك.
عندما تقول فات الأوان، سأفعل ما يفعله الآخرون، آكل ما يأكلون وألبس ما يلبسون، وأشاهد المحطات الفضائية عينها، وأتردد على الأمكنة ذاتها، فإن هذا يعني أنك قد توقفت عن الوجود الحق. كن واحداً في المليون، ولا تكن واحداً من المليون، فالحضارات لم تتطور إلا بفضل أولئك الذين أصروا على أن يكونوا كذلك.
عدد الزيارات :31








آخر تعليق