مارس 182010

أزمة المصطلحات والمفهومات ليست مجرد أزمة لغوية أو نقدية أو أدبية، وإنما هي أزمة حضارية، إن حضارة تستخدم في حياتها مصطلحات ليست من نتاجها، أو لا تعرف مفهوماتها، أو هي مختلفة في هذه المفهومات؛ لهي حضارة محكوم عليها بالضياع، لأنّ المفهومات هي معيار الوجود في علاقة الفرد بالآخر وبالمجتمع والله وبالطبيعة.

من تلك المصطلحات التي نستخدمها يومياً، وترد على لسان كل إنسان عشرات المرات في كل يوم، ونسمعها في كل المحطات الفضائية، في المسلسلات والأغاني والأفلام، مصطلح الحب. وقد أجريت سبراً مع طلابي في قسم اللغة العربية حول مفهوم هذا المصطلح، طيلة سنوات كنت أردد فيها السؤال التالي: ما الحب؟ وكانت النتيجة دائما واحدة: معظم الطلاب لا يعرفون، وعند قلة منهم هو عبارة عن مشاعر سامية وعواطف نبيلة، وأحاسيس تربط بين شاب وفتاة، وقلة من القليل وسّعوا من دائرة المفهوم ليشمل حب الولد لأبيه وأمه، والأخ لأخيه، والجار لجاره، والإنسان للإنسان، أمّا الذين ذكروا محبة الوطن أو محبة الله فهم نادرون. إنّ دلالة ذلك واضحة، وهي أننا نحصد ما زرعناه في أولادنا خلال مراحل التعليم كلها، فنحن لم نعلمهم التفكير، ونسينا نحن أنفسنا، تلك القيم التي يحملها الحب، فكيف نعلّمهم إياها؟!
إن كان هذا هو حال مفهوم الحب عندنا، وهو ما نستخدمه يومياً، فكيف هو حال مفهوم الوطن، والشرف، والكرامة ، والإباء، والعزة، والنخوة، والحرية، والمسؤولية، والغيرة…، إلى آخر تلك المصطلحات التي لم تعد موجودة أساسا في قاموسنا اليومي؟

حدّ المحبة أنّها: إرادة الخير للمحبوب، ولا يمكن ادّعاء المحبة من غير معرفة الخير، وما يميزه من الشر، وهي معرفة ضرورية، لا يمكن أن يمتلكها إلّا من امتلك معرفة أخرى كليّة، تأتي أولاً، لأنّها أساس التمييز بين الخير والشر، تلك هي معرفة الذات، وإدراك نقاط قوتها وضعفها، ومصادرها. فمن جهل نفسه، ممن يدعي محبة الحبيب، كان بحبيبه أجهل، ومن كان حاله كذلك ما قدر على تمييز الخير من الشر، وقدّم الشر لنفسه على أنه خير، وترك الخير وهو يظنه شراً، لجهله بحقيقة الحدين معاً. ومن كان على هذه الشاكلة لم يكن جديراً بادّعاء المحبة، لأنّه سيضرّ بحبيبه من حيث لا يعلم، ويكون بذلك هو نفسه خارجاً عن حدّ المحبة.

ألا ترى أنّ معظم الناس، ممن حولك، يقدّمون لأنفسهم الشر على أنّه خير؟ وإلّا فما حال من يدّخن، أو يشرب الخمرة، أو يسهر الليل أمام المحطات الفضائية لينام في النهار؟ بل ما حال من ملأ بطنه إلى ما بعد حدّ التخمة، ونأى بنفسه عن الحركة، وما اهتمّ إلّا باللذة الآنية، غير آبه بما يعقبها من ألم أو مرض أو تعب، هو عين الشر لوجوده؟ فكيف يليق بمن حاله كذلك أن يدّعي محبة غيره، وهو لا يعرف كيف يحبّ ذاته، فيقدّم لها الخير، وينأى بها عن الشر؟ وكيف يليق بك أن تصدّق من ادّعى ذلك، وكذّبه الواقع؟

المحبة هي أرادة الخير للمحبوب، ولن يقدر على ادّعاء المحبة من جهل نفسه، ولم يحبّها، فيقدّم لها الخير. وما الخير إلّا السعادة، التي هي أفضل خير يحصله الإنسان في وجوده؛ بل هي غاية الوجود، لأنّها تترتب على معرفة الذات التي تمكّن صاحبها من معرفة الله، والكون، ومن ثم معرفة نفس الآخر ، التي هي جزء من النفس الكلية ، لا هي هي، ولا منفصلة عنها.

المحبة هي، أولاً، حبّ الذات، ومعرفة الخير اللائق بها، وهي ثانياً محبة الحبيب الذي لا يمكن معرفته، ومعرفة الخير اللائق به، إلّا بعد معرفة الذات.
فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى من المحبة ، عرف أن ما عليه الناس، في الأغلب والأعم، ما هو إلّا شهوة تليق بمستوى وجودهم المادي القائم على العَرَض، وما يدّعونه حبّاً ليس إلّا شهوة جسديّة، يطلبها الجسد لتحقيق لذّة آنية، تنقضي بانقضائها، ولا علاقة لها على الإطلاق بالسعادة، ألا ترى أنّ معظمهم ينصرف عن محبوبه في اللحظة التي تلي حصول اللذّة. ومن عرف هذا رأى أنّ قلة من الناس ارتقت بحبّها عن الشهوة فزينتها بالعقل، فصار حبّها محبةً تليق بما حققوه من ارتقاء على مستوى الوجود المادي؛ ليبلغوا مرتبة الوجود العقلي، فإن فعلوا ذلك كانوا محبين على الحقيقة، إذا حققوا شرط المعرفة وإرادة الخير.
أمّا القلة النادرة من الناس فهم الذين تمكّنوا، بفضل من الله، وجهد كبير منهم، من تربية أنفسهم وتزّكيتها، ليبلغوا مرتبة الوجود القلبي، فيكون لهم ما يليق بوجودهم من حبّ، فيسمّى عشقاً؛ لكونه من علائق الجوهر والقلب.

ليس الناس بمتساويين على الإطلاق من حيث نسبتهم من الوجود، وتقرير حالهم في ذلك ليس حكماً بل وصفاً، فمن راقب الناس في كلّ زمان ومكان رأى أنّ نسبتهم من الوجود على ثلاثة مستويات: الأوّل هو المستوى المادي الجسدي والثقافي الاجتماعي، والثاني هو العقلي، والثالث هو الروحي أو القلبي، وهي مستويات أشبه بالهرم، فأغلب الناس ينتسبون إلى المستوى الأول، الذي يشكّل قاعدة الهرم، حتى ما بعد أوسطه، وقليل منهم ينتسب إلى الوجود الثاني الذي يلي الأول، وهو أقل منه وأرقى، أمّا القلة النادرة فهي التي تنتسب إلى الوجود الثالث في ذروة الهرم. ولا يمكن الفصل بين هذه المستويات، فهي متداخلة فيما بينها في خطوط التماس؛ ولذلك فقد يختلط الأمر على بعض الناس، فيشتهي وهو يظنّ أنّه يحبّ، ويحبّ وهو يظن أنه يعشق. ولا يعني هذا حَجراً على الحبّ أو العشق أن يختلطا بالشهوة؛ بل العشق يشتمل على الحبّ والشهوة، و الحبّ يشتمل على الشهوة، إلّا أنّ الشهوة بعيدة عن الاثنين معاً.
ذلك هو حدّ الحب على ما أرى؟ فمن شاء فلينتسب إلى المستوى الذي يشاء، والذي يظنّ أنّه لائق به؟ ومن شاء
فليعمل على الارتقاء بنسبته من الوجود، ليكون محبّاً، بعد أن كان شهوانياً، وليصبح عاشقاً، بعد أن كان محبّاً.

عدد الزيارات :26

أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Creative Commons License الرئيسية | مقالات | دراسات | قصائد | ندوات و محاضرات | كتب | صور | صوت | فيديو | من أنا | راسلني | خريطة الموقع Suffusion theme by Sayontan Sinha
لأفضل طريقة عرض استعمل Firefox For The Best View Use