كلام كل فرد فينا صورة عنه وعن عالمه الداخلي، وكل كلمة ننطق بها تلعب دوراً معاكساً، إذ إنها تنطق عنا أيضاً، فالعلاقة بين الكلمة والمتكلم علاقة جدلية. وهذا المقال يلقي بعض الضوء على قوة الكلمة، قدمته مشكورة الطالبة مزنة كمال، بارك الله فيها
لو فكر كل واحد فينا في الكلمة التي ينطق بها، وتعمق أكثر ليصل إلى أصل وجودها وقوة تأثيرها؛ لعلم أن هذه الكلمة، التي هي مجرد أصوات، إنما تحمل أبعاداً أعمق بكثير مما نتصور.
الكلمة ذات وجهين، كما يقول اللسانيون، دالٍّ وهو الأحرف، ومدلولٍ هو المعنى الذي يطابق تلك الأحرف المرتبة هذا الترتيب عينه دون سواه، لكننا حين ننطق هذه الكلمة فإننا بذلك نستحضر قوانا العقلية المختلفة من خيال وذاكرة مضافاً إليها التجربة والثقافة في صياغة الكلمة مفردةً ومركَّبةً مع غيرها من الكلمات، ولولا ذلك لأصبح كلامنا أشبه بالهذيان الذي لا معنى له.
وللكلمة قوة تأثير لا تنتج عن جرسها الصوتي ودلالته على معناه فحسب، وإنما تمتلك هذه القوة من مُنشِئها وهو المتكلم، فكلام كل فرد فينا صورة عنه وعن عالمه الداخلي، فإن كانت الكلمة تصدر عمن لا يؤمن بها، أو عن نفسٍ مشتتةٍ، أو عقل لاهٍ؛ فإن هذه الكلمة تفقد تأثيرها، ويصبح المتكلم مجرد ناقل لا ينطق عن معايشة أو تجربة. أما إن كان المتكلم قد عايش ما ينطق به، وكان ذا عقل واعٍ وفكرٍ واضح؛ فإنه بذلك يشحن كلماته بقوة نفسه، فلهذا تلقى ترحيباً وتأثيراً عند المستمع، والنائحة الثكلى، كما يقولون، ليست كالنائحة المستأجرة.
ويعظُم هذا الأثر إذا جعل المتكلم ذاته هي التي تنطق، وهذا يقتضي بالطبع أن يكون قد آمن بذاته، وسعى إلى تجوهرها وإخراجها إلى الفعل بعد أن كانت كامنة فيه بالقوة، فتغدو الكلمة هنا ذات طاقة عالية، لأن المتكلم ترك ذاته لتنطق بحرية بلا عوائق، وإذ قد علمنا أن الذات الإنسانية هي تلك النفخة الإلهية من الذات العلية، فإن المتكلم حين يكون على هذا المستوى من الوعي ومن قوة الذات؛ فلن يكون هو وحده الناطق، بل ستكون الذات الإلهية تنطق على لسانه، فما هو إلا رسول ينقل وحي السماء، عندها سيكون للكلمة قوة كبرى وتأثير عظيم لدى المستمع فتفتح لها القلوب بلا وسائط، ولهذا يقولون: ما يخرج عن القلب يقع قي القلب، والحقيقة أن الكلمة الصادرة عن ذات ترى بنور الله ستخشع لها القلوب، وتنشرح لها الصدور، فالكلمة لا قيمة لها ولا قوة فيها إلا بحسب قائلها، فانظر في نفسك، وابحث عمن ينطق معك إذا تكلمت، أهو الله؟ أم سواه من الأهواء والرغبات؟ أم هي شياطين الإنس والجن؟ لكن كن مع الله ولا تبالِ، حينها سترى كلامك أصبح مختلفاً، وستعجب من نفسك كيف تنطق وتتكلم بهذه القوة، تأكد عندها أنك لست وحدك الذي يتكلم.









آخر تعليق