المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
” قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” الإسراء/ 85
” زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير” التغابن/ 7

مقدمة ^

لقد استطاع ريموند مودي لأول مرة إعطاء تسمية لتجارب عاشها أناس أشرفوا على الموت، إثر حادث تزلج مثلاً، أو في أثناء عملية جراحية.
منذ القديم وحتى أيامنا هذه يردد الناس القصة ذاتها عن أبواب الموت، إنهم يخرجون من أجسادهم، ويطلون من مكان مرتفع، ليروا ما يفعله الآخرون بهم، كما أنهم يشاهدون أحداثاً تجري بعيداً عن مكان أجسادهم، وبعد ذلك ينتابهم شعور بالانجذاب داخل نفق مظلم، يسطع في نهايته ضياء رائع، وعندما ينتهون إلى هذا الضياء، يشعرون، بكل بساطة، أنهم في الجنة. هناك يلتقون بالموتى من أقاربهم وأصدقائهم، ويرون كائنات نورانية يسمونها الملائكة، كما يشاهدون ضياءً حانياً، يعتقدون أنه الله.
لقد أطلق ريموند مودي على هذه الرحلة الخارقة مصطلح: _ Near Death N.D.E ) Experience) أو تجربة الاقتراب من الموت. وفي كتابه الأول حول الموضوع ( الحياة بعد الحياة)، يقدم مودي سلسلة من الروايات عن تجربة ال N.D.E من غير أن يبحث عن تفسير لها. منذ ذلك الحين ظهر في الولايات المتحدة عدد كبير من المؤلفات حول تلك التجربة، قام بكتابتها أطباء، وعلماء نفس، وجامعيون.
في كتابه الذي نقدمه هنا، يقوم مودي بعرض نتائج الدراسات التي ظهرت في هذا المجال. وقد اعتمدنا على الترجمة الفرنسية للكتاب. إذ إن المؤلَّف كتب بالأمريكية، وعنوانه الأصلي هو:

THE LIGHT BEYOND
New York 1988

جناح الموت ^

ماذا يحدث عندما نموت؟ لعل هذا السؤال هو أكثر الأسئلة طرحاً في تاريخ الإنسانية، هل نتوقف ببساطة عن الحياة؟ من غير أن نترك وراءنا إلا العظام، كشاهد على مرورنا في هذا العالم؟ يبدأ المؤلف كتابه بطرح تلك التساؤلات. ثم يقول: إننا عاجزون عن الإجابة عنها. ويضيف: “ومع ذلك فإن كثيراً من الناس العاديين، الذين مسهم جناح الموت، عاشوا رؤى معجزة في العالم الآخر، عالم يفيض بالحب والعطف، لا يمكن الوصول إليه إلا بعد القيام برحلة مدهشة داخل نفق أو ممر”
بعد ذلك التقديم يتساءل المؤلف عما إذا كان عدد الذين عاشوا تلك التجربة يجعل منهم ظاهرة تستحق الدراسة. وينقل عن معهد “جورج كالوب” للإحصاءات، أن ثمانية ملايين من الأشخاص البالغين في الولايات المتحدة عاشوا تلك التجربة. ويقول: إن دراسة نتائج هذا الإحصاء تظهر بوضوح أن هذه الظاهرة تنتشر في المجتمع الأمريكي بشكل يفوق كثيراً ما كان يعتقده الباحثون في هذا المجال.
وبعد دراسة آلاف التجارب، يحصي المؤلف تسع مراحل تحدد تلك الظاهرة، ويقول: إنه يجب التركيز على أن “الناس الذين عرفوا تجربة الـN.D,E لم يعيشوا جميعاً كل مراحلها المعروفة، بعضهم لم يتجاوز المرحلة أو المرحلتين، على حين أن آخرين عاشوا خمس مراحل أو ستاً منها. إن ما يحدد الـN.D.E هو وجود واحدة من تلك المراحل أو أكثر”
ويعدد المؤلف هذه المراحل، ثم يتحدث عنها بالتفصيل. وهذه المراحل هي: الإحساس بالموت، والشعور بالأمن، وزوال الألم، ثم الخروج من الجسد، وعبور النفق، ومشاهدة مخلوقات نورانية، واللقاء بكائن من النور، بعدها يأتي استعراض شريط للحياة، ويتلوه الصعود في السماء سريعاً، لتحصل، أخيراً، الرغبة في عدم العودة إلى الحياة.
إن من يعيش تلك التجربة يجد نفسه أولاً طافياً، يرى جسده من الأعلى. ثم يغمره خوف لا يلبث أن يتلاشى، ليحل محله شعور بفهم ما يجري. ويستطيع صاحب التجربة سماع ما يقوله الآخرون حول جسده، ولكن هؤلاء لا يرونه أو يسمعونه، عندما يحاول التحدث إليهم، كما أن يده تغوص في أجسادهم، عندما يحاول شد انتباههم إلى وجوده. ومادام حبيس جسده فهو يشعر بالألم الذي يختفي حالما يتحرر من ذلك الجسد. وهذا التحرر يبدأ غالباً عندما يقول الأطباء الذين يحاولون إنقاذ المصاب: لقد مات.
بعد الخروج من الجسد تبدأ مرحلة النفق، حيث يفتح أمام من يعيش تلك التجربة باب يعبره إلى داخل نفق معتم، يتجاوزه حتى نهايته حيث يوجد نور ساطع. وعندما يدخل ذلك النور فإنه يلتقي بمخلوقات نورانية، نورها غير عادي، متألق، وقوي، وجميل، يملأ من يراه بالحب، ولا يمكن مقارنته بأي نور نعرفه على الأرض ، ومن ثم يتلقاه كائن سام من الضياء يقال عنه إنه الله وهو كائن يشع بالعطف والحب اللامتناهيين، ومن يراه يود أن يظل بقربه إلى الأبد. ولكن ذلك مستحيل لأن هذا الكائن يخبره بأن عليه أن يعود إلى جسده، ثم يجعله يستعرض أحداث حياته السابقة، فيرى كل ما فعله في حياته، بأبعاده الثلاثة، ويطلع في الوقت نفسه على أثر أفعاله في الآخرين، وذلك عن طريق الدخول في ذهن الآخر، والإحساس بما يعانيه. ويضيف الدكتور مودي أن بعض الناس لا يمرون بمرحلة النفق، ولكنهم يصعدون في السماء، ويرون الأرض كما يراها رجال الفضاء. أما المرحلة الأخيرة فهي أن كثيرين ممن يعيشون هذه التجربة يجدونها ممتعة، ولا يريدون العودة منها إلى الأرض، وهم بصفة عامة يعبرون عن استيائهم إزاء الطبيب الذي قام بإنعاشهم. ولكن هذا الشعور لا يلبث أن يتبدد ليصبحوا سعداء بعودتهم إلى الحياة. ويقول المؤلف: إن الزمان والمكان في تلك التجربة يفقدان معنيهما الأرضيين، فالزمان لا يبدو كما تظهره ساعاتنا، إنه كثيف جداً، أشبه بالأبدية. أما المكان فيفقد الحدود التي تفرضها عليه الحياة اليومية، ويستطيع المرء أن يتنقل حيث يشاء، إذ يكفيه أن يرغب بذلك.

قدرة التجربة على تغيير من عاشوها ^

يقول الدكتور مودي: “منذ عشرين سنة وأنا أدرس ظاهرة الـN.D.E، ومازلت أنتظر العثور على حالة واحدة لم تؤدّ فيها التجربة إلى تغييرات قوية وإيجابية في حياة من عاشها” ، ولا يعني المؤلف، بقوله هذا، أن الذين مروا بتلك التجربة يتكلفون اللطف، بل هم فعلاً يصبحون أكثر إيجابية، وأكثر لطفاً، مما يقودهم إلى المشاركة في فعاليات الحياة اليومية. ويؤكد المؤلف ذلك قائلاً: “كل الباحثين، من الجامعيين والأطباء، الذين تحدثت معهم ممن استجوبوا أشخاصاً عن تجربتهم في الاقتراب من الموت، توصلوا إلى النتيجة ذاتها: هؤلاء يصبحون طيبين بسبب تجربتهم”
ويبدو أن هذه التجربة تدفع أصحابها إلى عمل الخير، ويرى بعض هؤلاء أن ذلك بسبب اعتقادهم بأن حياة أخرى تقوم بعد الحياة، وآخرون يرون أن ذلك إنما يعود إلى لقائهم بذلك الكائن السامي من الضياء. ويورد المؤلف عدداً من الحالات، من أهمها قصة رجل يدعى: (نيك)، كان محتالاً، يعيش عيشة بذخ على حساب ضحاياه، أو بفضل تهريب المخدرات، في يوم من الأيام كان (نيك) يلعب الغولف، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، وفجأة انفجر الرعد، وقبل أن يلجأ إلى أحد المباني أصابته صاعقة إصابة قاتلة، وشعر (نيك) بأنه يسبح فوق جسده خلال فترة زمنية غير محددة، ثم رأى نفسه يتحدر في نفق مظلم نحو نهايته المضيئة، وعندما عبر تلك النهاية التقى، في عالم مسحور، بأقرباء له ميتين، كانوا مشرقين بأنوار غريبة، ثم التقى بكائن نوراني اعتقد أنه الله، وقد قاده هذا الكائن عبر رحلة استعرض خلالها حياته الماضية، فكان لا يرى أفعاله فقط، وبأبعادها الثلاثة كما لو كانت في الواقع، وإنما كان يرى أيضاً نتائج أفعاله، ويحس بأثرها في الآخرين. وقد غيرت هذه التجربة (نيك) كلياً. وقد نقل عنه قوله:”الآن يمكنني أن أعيش كما لو أنني لا أعرف أنه في يوم ما سأضطر مرة أخرى لرؤية كل أفعالي”
ويلاحظ المؤلف أن أهم التغييرات التي تخلفها تجربة الـN.D.E هي اختفاء الخوف من الموت، وظهور وعي، عند المرء، بأهمية الحب، كما تولد لديه انطباعاً بأن رابطة قوية تقوم بينه وبين كل شيء. بالإضافة إلى ذلك فإن كل من عاشوا تلك التجربة يحسون بأنهم قد أصبحوا أكثر مسؤولية في مجرى حياتهم، كما أنهم يصبحون أكثر حساسية تجاه آثار أفعالهم في الآخرين. ويضيف المؤلف أن حياة هؤلاء تصبح أكثر غنى من الناحية الروحية، كما أن إحساساً بأهمية الحياة، ورهافة الوجود، وسرعة انتهائه يسود لديهم، مما يولد عندهم تقديراً أعمق للعيش.

تجربة الـN.D.E عند الأطفال ^

يورد المؤلف عدداً من تجارب الاقتراب من الموت التي عاشها أطفال أو مراهقون. ولأن مفهوم الموت عند هؤلاء يختلف عنه عند البالغين فإن شهادات هؤلاء الأطفال تصبح ذات قيمة كبيرة في وصف الظاهرة, ويؤكد الدكتور مودي أن ما قاله الأطفال في وصف تجاربهم تلك لا يختلف عما يقوله البالغون في المجال ذاته. ويضيف أن كثيراً من الناس يعتقدون أن عيش الأطفال لتلك التجربة هو برهان قوي على وجود الحياة بعد الحياة. والسبب في ذلك أن البالغين قد يكونون خلال حياتهم قد تعرضوا لكثير من التأثيرات التي تسببها المعتقدات الدينية، على حين أن الأطفال لم يتأثروا بعد، إلى حد كبير، بهذه المعتقدات.

لماذا تحيرنا ظاهرة الـN.D.E ؟ ^

يعترف المؤلف بأنه من الصعب إنشاء خط فاصل بين الموت والحياة، ويقول: إننا نتعلم شيئاً فشيئاً ماذا يعني الموت، ولكن البعث من الموت يبقى محيراً، لأنه يكمن خارج حدود طاقاتنا العقلية. ولكن هل يموت حقاً من يعيش تجربة الـN.D.E ؟
عندما يتوقف القلب إثر أزمة قلبية، ولا يفلح الأطباء في إنعاش المريض، يظهر على شاشة المقياس الالكتروني لفعاليات الدماغ الكهربائية خط مستقيم، ويقول الأطباء عن المريض: لقد توفي. ومع ذلك فإن بعض الناس الذين مروا بهذه المرحلة يعودون إلى الحياة مرة ثانية.
الموت يعني عدم العودة إلى الحياة، وعندما يعود هؤلاء فإنه لا يمكن أن نعتبرهم قد ماتوا بالمعنى الدقيق للكلمة. إنّ هذه الحوادث تعيد طرح قاعدة الدقائق الخمس التي تقول: إن أي محاولات للإنقاذ ستكون من دون فائدة بعد انقضاء خمس دقائق على توقف القلب، ففي خلال هذه الفترة يموت الدماغ بسبب انقطاع الأكسجين عنه.
ويورد المؤلف قصة صديق له، نقل إلى المستشفى إثر إصابته في حادث سيارة، ومنذ وصوله إلى قسم الطوارئ أُعلن عن وفاته، ووضعت جثته جانباً، في انتظار نقلها إلى المكان المخصص للموتى. بعد ساعة جاؤوا لأخذه على نقالة، وينهض الرجل قائماً.. إنه حي.. ويعلق المؤلف على ذلك بقوله: الحق أننا لا نعرف شيئاً كبيراً عن فيزيولوجية الموت، وكل ما يمكننا قوله، عن الذين عاشوا تلك التجربة، هو أنهم لم يموتوا، وإنما عاشوا مرحلة قريبة جداً من الموت.
ما موقف العلم من تلك الظاهرة؟ من المعروف أن العلم يقوم على تحليل الظواهر تحليلاً مخبرياً. والـN.D.E لا يمكن إنتاجها في المخبر وإخضاعها لأجهزة المراقبة والقياس، مهما كانت تلك الأجهزة متطورة، ولا نملك، حتى الآن، إلا الروايات الشفهية التي نلتقطها ممن عاشوا تلك التجربة، وهذا ما يقودنا إلى الاعتراف بأن هذه الظاهرة ستبقى موضوعاً مشكوكاً فيه، ما دمنا لا نستطيع إخضاعها للبحث المخبري.

الأبحاث التي أجريت حول الـN.D.E ^

هل الـN.D.E ظاهرة حديثة، أم أن الشعوب السابقة عرفتها؟ على الرغم من أن أول كتاب خصص لتلك الظاهرة هو( الحياة بعد الحياة) فإن الـN.D.E معروفة عند السابقين. ولكن يبدو أن العصر الحالي يعرفها بشكل أكبر، والسبب في ذلك هو التقدم التقني الذي حققته وسائل الإنعاش، التي تسمح بإنقاذ كثير من الناس، وهو ما لم يكن ممكناً قبل ثلاثين سنة.
قبل إصدار المؤلف كتابه( الحياة بعد الحياة) في السبعينات، لم تكن هناك دراسات حول ظاهرة الـN.D.E إذ إن الباحثين لم يكونوا يولونها الاهتمام المهني. منذ ذلك الوقت تعدد الباحثون المهتمون بالموضوع، ومن هؤلاء، على سبيل المثال، الدكتور ميلفن مورس، وميكائيل سابوم، وميكائيل غروسو، وروبرت سيلفيان.
لقد قام الدكتور مورس بدراسات حول تلك الظاهرة عند الأطفال، وقد نوصل في نهاية أبحاثه إلى الاعتقاد بأن كل الذين أنعشوا، بعد تعرضهم لحادث أدى إلى توقف قلوبهم، عاشوا تلك التجربة، سواء أكانت خروجاً من الجسد فقط أم عيشاً للتجربة بأكملها. ويؤكد الدكتور ميلفن أن الذين لا يتحدثون من هؤلاء عن تجربة مشابهة، يكونون قد نسوا ما شاهدوه، والسبب في ذلك هو الأدوية التي يعطَونها للإنعاش وبشكل خاص (الفاليوم)، ثم يقول إنه قد اطلع على كل التفسيرات التي يقدمها المحللون النفسيون لشرح تلك الظاهرة ووجد أنها غير كافية ويعتقد أن التفسير الأبسط إنما هو الاعتقاد بأن تلك التجربة إنما هي فعلاً رؤية للعالم الآخر. ثم يضيف بأنه لا يجد عوائق علمية تمنع من الاعتقاد بأن الأرواح قد فارقت أجسادها لترحل نحو مملكة أخرى، على الرغم من أن العلم لا يسمح بتأكيد ذلك مخبرياً.
أما الدكتور ميكائيل سابوم فيقول: إن دراسته للظاهرة جعلته يعتقد بأنه من غير الممكن نفي حقيقتها. ولكنه يضيف أنه عندما يفكر في كل ذلك، من وجهة النظر العلمية السائدة بين الباحثين، يكتشف أنه قد بنى اعتقاده على لا شيء.
ويتميز ميكائيل غروسو من بقية الباحثين بأنه يربط بين تلك الظاهرة وبين تعاليم كبار الفلاسفة والمصلحين من أفلاطون إلى المسيح، وهو يعتقد أن الـN.D.E مرتبطة بظواهر كثيرة ما وراء نفسية، كاستحضار الأرواح مثلاً. كما يرى فيها إطلالة على الدين اللامذهبي ، الدين الأولي كما صوره الله ، ويضيف قائلاً: “أعتقد، كالكثيرين، أن الـ N.D.E هي دخول في بعد إلهي من أبعاد الكائن البشري، يوجد في حالة كمون في داخل كل منا” ، ويعلق على ظاهرة اهتمام الناس بالـN.D.E بأن هذا الاهتمام لا يأتي إلا من كون سماعنا لتجارب الآخرين في الـN.D.E يثير الذكريات القابعة في أعماق ذاكرتنا، إنه نوع من العودة إلى الذات.

تفسير الظاهرة ^

يعرض المؤلف آراء عديدة، دينية، وطبية، ونفسية، تفسر الـN.D.E، وبالنسبة إليه فإنه يعتبر أولاً أن الظاهرة هي تجربة روحية، وليست ظاهرة فيزيائية، أو عقلية، تنتج عن سوء عمل الدماغ الناتج عن نقص تغذيته بالأكسجين. ويقول: إن هناك بعض الجزئيات التي يمكننا التثبت منها، من ذلك الوصف الذي يقدمه من يعيشون التجربة لما يفعله الطبيب من أجل إنعاشهم، أو لما يجري في الغرف المجاورة، إن هذه الجزئيات هي أكثر الجوانب إشكالية في الـN.D.E، إذ إنه حتى الآن لم يستطع أحد تقديم تفسير لها.
أولى التفسيرات التي يقدمها المؤلف هي لكارل ساجان، الباحث والفلكي المشهور في جامعة كورنل في الولايات المتحدة، ويرى هذا التفسير أن المرور بالنفق المظلم ما هو إلا تذكر النفس لمراحل ولادة الجسد، إذ إن على الجسد اجتياز نفق في نهايته عالم مليء بالضياء والألوان، يستقبله فيه أناس سعداء برؤيته. هذه التجربة عاشها كل فرد منا. ويعلق المؤلف على هذه النظرية بأن التجارب التي قام بها كارل بيكر، أستاذ الفلسفة في جامعة ايللينو، حول تذكر الأطفال لحظة ولادتهم تثبت أن المولود الجديد لايتذكر مولده، نظراً لأن دماغه ليس قادراً على تسجيل الحادثة، أضف إلى ذلك أن المقارنة بين الولادة وال N.D.E بعيدة جداً، إذ إن الطفل عندما يولد، يتعرض لعدد من المعاملات القاسية، كوضع رأسه إلى أسفل، وضربه على مؤخرته، وهي أمور، إذا تذكرها، تخلف أثراً سيئاً في ذاكرته.
ويعتقد بعض الباحثين أن زيادة أوكسيد الكربون في الدم، إثر توقف التنفس، مسؤولة عن الإحساس بعبور نفق مظلم، ولكن ذلك لايمكن اثباته علمياً، وذلك لأن ال D.N.E لا يعيشها فقط أناس توقف تنفسهم تماماً، بل أيضاً أشخاص في حالة إغماء، أو تحت تأثير مخدر طبي. وإضافة إلى ذلك فإن الملاحظة تثبت أن فعالية الدماغ يمكن أن تهبط إلى مستوى ضعيف، لاتتمكن أجهزة رسم فعاليات الدماغ من ضبطها.
ويرفض المؤلف ما يقوله الذين ذهبوا إلى أن تجربة ال D.N.E، لايعيشها إلاّّ أناس يعتقدون اعتقاداً دينياً جازماً، بقوله: إن تفسير هؤلاء لما يرونه إنما يأتي بعد عودتهم إلى الحياة، على حين أن ما يقدمونه من وصف يتفق مع الوصف الذي يقدمه غير المؤمنين للظاهرة نفسها.
ويرى باحثون آخرون أن الD.N.E ، هي نوع من الدفاع يقوم به الدماغ عندما يجد نفسه أمام خطر الفناء، ذلك أن خطورة الموقف تثير لديه فزعاً لا يستطيع تفاديه عن طريق إصدار أوامر للجسد لينجو من الخطر، مما يدفع الدماغ إلى إعمال الخيال للهرب من هذا الموقف الخطير، إلى عالم من الأمن والسلام. ويضيف هؤلاء قائلين: إن الدماغ يتمتع بقوى خارقة على فعل ذلك، فهو مهيأ لإنتاج مادة كيميائية مهدئة هي أقوى ثلاثين مرة من المورفين، ويرون أن هذه المادة هي التي تولد في الذهن تجربة ال D.N.E .
ويعلق المؤلف على هذه النظرية المتكاملة بأنه لايعرف أياً من الباحثين يربط بين المادة التي يفرزها الدماغ وبين ظاهرة التخريف أو أي ظاهرة أخرى، كما أن الذين يتناولون من هذه المادة المصنعة مخبرياً، لسبب من الأسباب، لا يعيشون الحالات التي تصفها الD.N.E، ولكن يبدو أن الذين يؤيدون هذه النظرية يعتمدون على ما هو ثابت من أن المادة الدماغية تلك، تخلق نوعاً من الشعور بالأمان والاطمئنان لدى المصاب، وليس ذلك غريباً فهي إنما أفرزها الدماغ لتهدئة الألم الشديد الذي يعانيه الجسم إلى درجة لا تطاق.
ولعل أهم نظرية تحاول تفسير ال D.N.E هي نظرية اللاشعور الجماعي، ذلك أن كارل غوستاف يونغ، مؤسس هذه النظرية في علم النفس، يقول: إن كثيراً من الأساطير والمعتقدات توجد مشتركة في كل الثقافات، وإن لم توجد بينها صلة ما، ويضرب مثلاً على ذلك فكرة خلق العالم التي توجد في كل الثقافات من الشرق إلى الغرب. ويرى بعض أنصار هذه النظرية أن تجربة ال N.D.E، تثير في النفس صوراً متشابهة عند كل الناس، لأنها تعود إلى اللاشعور الجماعي الإنساني. ولذلك فهي نفسها عند كل البشر. ويرى المؤلف أنه من الصعب إدحاض هذه النظرية، ولكنه يضيف بأن نقطة ضعفها إنما تكمن في أنها لا تستطيع أن تفسر المرحلة الأولى من التجربة، وهي رؤية المريض جسده وما يدور حوله، أو رؤيته ما يجري في الغرف المجاورة.
ويعلق المؤلف في النهاية على تلك النظريات فيرى أنها كلها ناقصة، أو غير متلائمة في ما تقدمه من تفسيرات، ويضيف قائلاً: إن ال D.N.E، هي تجربة قائمة بذاتها، لأنها شكل من أشكال المعرفة، وهي شخصية، ولذا فهي فوق الكلمات، وهو ما يجعلها تغيّر نظرة من عاشها إلى العالم، إنها، باختصار، تجربة نورانية. ويقول المؤلف: إنه يعتقد، نتيجة عشرين سنة قضاها في دراسة الظاهرة، أنها تمثل نظرة إلى العالم الآخر، أو، بعبارة أخرى، رحلة إلى واقع مختلف جداً عن واقعنا.

الخلاصة ^

في خاتمة الكتاب يقول المؤلف: لقد درست ظاهرة ال D.N.E، خلال عشرين عاماً، استمعت فيها إلى آلاف الأشخاص يتحدثون عن رحلاتهم الشخصية إلى ماذا؟؟ العالم الآخر؟ الجنة التي حدثتهم عنها الدروس الدينية؟ أو قسم من الدماغ لا يبدأ عمله إلاّ في المواقف اليائسة؟ ويضيف: لقد تحدثت إلى كل الذين يدرسون هذه الظاهرة في العالم، وأعرف أن غالبيتهم يعتقدون، في أعماقهم، أن تلك التجربة هي نظرة على الحياة بعد الحياة، ومع ذلك فإنهم، بوصفهم أعضاء في الهيئة الطبية، لا يملكون أي “دليل علمي” على أن جزأً منا يبقى حياً بعد موت أجسادنا. إن فقدان هذا البرهان يجعلهم يمتنعون عن الإدلاء باعتقادهم أمام الجمهور، ولكن ذلك لا يمنعهم من متابعة البحث عن إجابة عن السؤال المحير: ماذا يحدث عندما نموت؟ وفي حال غياب برهان علمي قاطع أسأل غالباً: هل ال D.N.E، هي دليل على الحياة بعد الحياة؟ إن جوابي على هذا السؤال هو: نعم.
هناك الكثير من العناصر التي تجعلني أعتقد ذلك، من تلك العناصر الروايات التي استمعت إليها، فأي برهان أكبر من تجارب الناس الذين خرجوا من أجسادهم، وشاهدوا ما يفعله الأطباء لإنعاشهم؟ على أن أكثر ما يدهشني هو التحول الكبير الذي ينتاب من يعيشون تجربة الاقتراب من الموت بعد إنعاشهم، إنه تحول مدهش.
وينهي الدكتور مودي كتابه قائلاً: بعد عشرين سنة من البحث أعتقد أنه لا توجد أدلة علمية قوية تستطيع أن تؤكد، بشكل نهائي، حقيقة الحياة بعد الحياة، إلاّ أن هذا الموقف يرتبط بالعقل وبالعلم، أما ما ينبع من القلب فهو مختلف جداً، واعتماداً على هذا المقياس فإنني أعتقد بأن تجربة ال D.N.E، تمنحنا، حقيقة، إطلالة على العالم الآخر.

عدد الزيارات :19

إقرأ أيضاً:

  1. ضياء من العالم الآخر
  2. صناعة الآخر

أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Creative Commons License الرئيسية | مقالات | دراسات | قصائد | ندوات و محاضرات | كتب | صور | صوت | فيديو | من أنا | راسلني | خريطة الموقع Suffusion theme by Sayontan Sinha
لأفضل طريقة عرض استعمل Firefox For The Best View Use