المجتمع البشري هو الذي يصنع الحضارة. تلك سمة لا يملكها إلا الإنسان من بين المخلوقات، وكانت فيه من الله هبةً ليتمكن من تحقيق مفهوم الاستخلاف في الأرض على الحقيقة. وُجِد الإنسان في الأرض خليفة وعبداً، وخلافته تتحقق طرداً مع عبوديته. تلك هي بدهية لا بدَّ من تقريرها. وبدهية أخرى تقول إنَّ الإنسان يملك القدرة على التطوير، ويسعى إليه ويحققه إن لم يُعقه عائق خارجي أو داخلي. ومحرك المجتمع ودوافِعُهُ إلى التطوير هو ثقافته، ومدى وعيه تلك الثقافة وتجسيدها في السلوك والعمل. ولطالما تكلم علماء الإنسان اليوم على العلاقة الجدلية بين الثقافة ووعي الذات، وبين التطور والتنمية الماديين.

هذه الحقائق ليست قابلة للجدل، فهي مستنبطة من مراقبة تاريخ المجتمعات الإنسانية وتطورها. وهو ما سبق ابن خلدون في مقدمته إليه. فقد لوحظ أن التقدم التقني، والازدهار المادي، يرافقه في العادة رقي فكري، ينجم عن وسط اجتماعي يقدس حرية التفكير والتعبير، وهي حرية ضرورية لوعي الذات وتحقيق الثقافة الاجتماعية في الواقع العملي، وهو ما يقود إلى الإبداع المرتبط في وجوده بالحرية والوعي.

تلك الحقائق تقرر أن قوانين التطور الاجتماعي هي قوانين داخلية مرتبطة بالثقافة الاجتماعية وهي بالتالي ذاتها. ولذلك فإن دراسة التطور الاجتماعي تقتضي بالضرورة دراسة واقع الثقافة الاجتماعية. إنَّ الاكتفاء بدراسة مظاهر تطور حضارة ما من جهة نشأة المدن، وظهور اللغة، وازدهار الكتابة، ونمو الحضر من البداوة، بمعزل عن أثر الثقافة الاجتماعية في كل هذا، لَهُوَ أشبه بتعريف المحيط بأنه مسطح واسع من الماء. إنَّ رصد تطور مسيرة حضارة ما يقتضي معرفة تطور الثقافة، إذ إن مسيرة الحضارة المادية ما هي إلا انعكاس لمسيرة الثقافة في تلك الحضارة.

للحصول على المحاضرة كاملة انظر الملف المرفق في الأسفل

عدد الزيارات :21

أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Creative Commons License الرئيسية | مقالات | دراسات | قصائد | ندوات و محاضرات | كتب | صور | صوت | فيديو | من أنا | راسلني | خريطة الموقع Suffusion theme by Sayontan Sinha
لأفضل طريقة عرض استعمل Firefox For The Best View Use