يناير 162011

المحتويات

مقدمة ^

حلب اسم ساحر، يذكر بماضٍ عمره آلاف السنين، ويبعث في الوقت نفسه ذكرى تاريخ غني جدا،ً شارك فيه كثير من الشعوب، ويمثل في مجموعه صورة مصغرة للتاريخ القديم، كما يلخص قصة طريق القوافل الأسطوري المتجه إلى بغداد والشرق. حلب هو اسم لمدينة كبيرة وجميلة، لا تزال حية ومزدهرة؛ تقدم في أسواقها وخاناتها ومساجدها صوراً متنوعة لروعة ألف ليلة وليلة. إنّ صورة القلعة، التي تتوج حلب، وتهيمن عليها، تظل راسخة دائماً، في مخيلة من يراها، رمزاً حياً للمدينة.

لقد عاصرت حلب نينوى وبابل، ودُمّرت مثلهما. وتعاقب على حكمهاعدد كبير من الحضارات، كالحثيين، والمصريين، والسريانيين، والفرس، والأرمن، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، والعرب، والفرنجة، والأتراك؛ حتى أصبحت أخيراً مدينة سورية تحت الانتداب الفرنسي. وهي ماتزال، إلى اليوم، تقف شامخة على الهضبة السورية، على حين أن عواصم أمبراطوريات عظيمة بادت، ولم يبق منها إلا الاسم.

تلقت حلب أهميتها من الموقع الجغرافي الذي وهبتها إياه الطبيعة، فضمن لها الخلود والبقاء. فهي تقع على واحدة من أشهر الطرق الحضارية التي تشكل نقطة اللقاء بين أوربا وآسيا وإفريقيا. وتُعد ممراً لا بد منه من الشمال إلى الجنوب بين سلسلة الجبال الساحلية، واللبنانية، والصحراء. إنها المكان الذي تلاقى فيه مد وجزر موجات المهاجرين والغزاة من الفرس، والأرمن، واليهود، والأتراك، والعرب. وهي الممر الوحيد بين الغرب والشرق، من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي، وبين الحواجز الجبلية لسلسلة جبال طوروس والسهوب القاحلة في منطقة الرافدين. إنها طريق الصدام بين الشرق والغرب: طريق الإسكندر، وطريق الحروب الصليبية.

لعل حلب أشبه بتلك الثمار ذات القشور الخشنة الجافة، التي تخفي لباً طرياً معطراً يدهشك. فهي تقع وسط السهوب المقفرة في معظمها، الممتدة بين العاصي والفرات، إنها مدينة واسعة انبثقت معجزة وسط الرمال. فحلب هي ملجأ القوافل في خاناتها الغافية في ظل القلعة، وفي متاهة يتقاطع فيها عشرون “كيلومتراً” من الأسواق، حيث تتكدس البضائع، وتُتَبادل، آتية من كل جهات الشرق، ويتلاقى، بشكل مثير للدهشة، كلُ الأعراق والأديان. لقد كانت حلب منذ آلاف السنين، وما تزال إلى اليوم، محطة القوافل، واستراحة الجمال. إنها اليوم، وغداً بشكل أعظم، محطة للطائرات؛ إذ يقع فيها واحد من مطارات الخطوط الجوية المتجهة إلى فارس والشرق الأقصى. في حلب يتصل الحاضر بالماضي: إذ نجد الخانات والحظائر حيث تقيم الجمال، إلى جانب المطار حيث تقبع الطائرات.

وعلى الرغم من أن شق قناة السويس قد أثّر في مكانة حلب، إلا أنها عادت لتأخذ دورها الذي رسمه لها القدر: مكان لقاء وتبادل بين الشرق والغرب، وواحدة من أهم بقاع العالم التي ما زالت تحافظ على روعة الشرق في العصور الوسطى.

تاريخ حلب : حلب مدينة عمرها آلاف السنين ^

لعل نشأة حلب ضائعة في ليل الزمان حقاً. فقد جاء اسمها في نصوص منحوتة في الحجر تعود إلى الألف الثانية قبل عصرنا الحالي؛ إلا أننا نجهل حتى الآن إلى أي عصر يمكن إعادة تاريخ تأسيسها. فالأسطورة تقول إن إبراهيم، في أثناء ابتعاده عن “أور”، كان قد توقف هنا، وأن الخُصَّ المتواضع للشيخ الجليل كان أصل المدينة القوية. بالإضافة إلى ذلك فإن عدداً من الوقائع التاريخية، والأسماء المنبعثة من النسيان، قد وصلتنا، بكل ما تملكه إيقاعاتها الساحرة من قوة على بعث الماضي وما توحي به من غنى.

إن قائمة أولئك الذين تتابعوا في السيطرة على حلب، مهما كانت معرفتنا بهم تقريبية، توضح لنا سبب كون تاريخ هذه المدينة حافلاً بكل ما هو غريب ونادر:

  • مملكة مدينة حَلآب في القرن العشرين قبل الميلاد
  • الحثييون والميتانيون بين 1888-854 قبل الميلاد
  • المصريون في خلال القرن الخامس عشر قبل الميلاد
  • السريانيون الذين حكموها/ 315 سنة، من 854-539 قبل الميلاد
  • الفرس وقد حكموها/ 206 سنوات، من 593-333 قبل الميلاد
  • الإغريق وحكموها/ 250 سنة، من 333-83 قبل الميلاد
  • الأرمن وحكموها/ 14 سنة، من 83-69 قبل الميلاد
  • الرومان وحكموها/ 464 سنة، من 69 قبل الميلاد إلى 395 بعد الميلاد
  • البيزنطيون وحكموها/ 242 سنة، من 395-637 .
  • الفرس خلال غزوات في القرن السادس الميلادي.
  • وقد حكمها العرب والمسلمون خلال/ 879 سنة، من 637-1516 بعد الميلاد، وذلك من خلال الأسر الحاكمة، والهيمنات المتتالية لكل من الأمويين (637-750)، والعباسيين ( 750-868 )، والأتراك ( 868-905 )، والإخشيديين من مصر ( 905-944 )، والحمدانيين ( 944-991 )، والفاطميين من مصر (991-1023 )، والمرداسيين ( 1023-1079 )، والأتراك والسلاجقة (1079-1174 )، والأيوبيين ( 1174-1260 )، والمماليك البحرية من مصر ( 1260-1382 )، والمماليك البرجية الشراكسة (1382-1516 ).
  • وقد تخلل ذلك فترات كانت المدينة فيها محتلة، بشكل متقطع، من قبل البيزنطيين، بين (969-1108)، والفرنجة بين 1109 إلى نحو 1128 . ثم تعرضت المدينة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان في عام 1260 ، ومن بعده تيمور لنك في عام 1400 للميلاد.
  • وقد حكمها الأتراك العثمانيون مدة 402 سنة، بين 1516-1918 ،بعد الميلاد. أما المصريون فحكموها بين عامي 1833 و 1840 ،إثر انتصار إبراهيم باشا.

إن تاريخ حلب الحافل، خلال أربعة آلاف عام، يقدم من الفوائد ما لا يمكن تتبعه هنا في خطوط عريضة.

لقد عرفت حلب تسميات مختلفة، كانت على التتالي : خلابو، وخلوان، وحلاب، وذكرت في المدونات المصرية، والسريانية، والكلدانية التي تعود إلى الألف الثانية قبل عصرنا كمدينة من المدن الميتانية، والحثية، والآرامية الواقعة بين نهري العاصي والفرات. وقد شاركت حلب قدر جيرانها من المدن، فقد تحملت مثلها غزو الحثيين، والمصريين، والسريان، والكلدانيين، والفرس، وسيطرتهم .

كانت حلب في القرن العشرين قبل الميلاد مركز مملكة كبيرة تتعامل مع ملك الحثيين معاملة الند للند. فالمعاهدة، المكتوبة باللغة البابلية، والتي قامت في حوالي عام 1336 قبل الميلاد، بين ريميشاريما، ملك حلآب (حلب)، ومورشيليش الثاني، ملك الحثيين، تشكل بصورة ما العلاقات السياسية لمدينة حلب. وتذكّر مقدمة هذه المعاهدة بالعلاقات السابقة بين المملكتين، وتعيدها إلى زمن حاتوشيليش، الذي يعود حكمه إلى القرن العشرين قبل الميلاد. كان ملوك مدينة “حلآب” يملكون مملكة واسعة في ذلك الوقت، وكان ملك مدينة “حاتي” ، الملك العظيم حاتوشيليش، قد تمادى في عدائه لمملكتهم. وبعد حاتوشيليش قام حفيده مورشيليش بتدمير مملكة مدينة “حلآب” ومنطقتها. ثم سار تجاه بابل ودمرها أيضاً. لقد كان هذا أول تدمير تتعرض له حلب من قبل مورشيليش الأول، وذلك في إطار غزو كبير شنه الحثيون ضد بابل. وقد وقع ذلك التدمير في حوالي 1888 قبل الميلاد، أما التدمير الجديد الذي تعرضت له المدينة فقد كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد، من قبل ملك الحثيين تودإلياش الأول.

وبعد غزو تحوتمس الثالث في نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أصبحت حلب خاضعة للمصريين طيلة حكمه وحكم خليفته امينوفيس من بعده. وفي عام 1370 قبل الميلاد هزم سوبيلوليوما، ملك الحثيين، دوشراتا ملك ميتاني، واحتل قرقميش وحلب التي أصبحت عاصمة المملكتين الحثييتين. وفي عام 1288 قدّم ريميشارّيما، ملك مملكة حلب، 2500 عربة حربية للمشاركة في معركة قادش ضد المصريين وقائدهم رمسيس الثاني، وهو ما نراه مصوراً في المنحوتات البارزة في جرابلس (قرقميش قديماً).

وقد فتحت حلب أبوابها أمام الملك السرياني سلمانازار الثاني في عام 854 قبل الميلاد، وقد قدّم القرابين شكراً للإله أداد، إله المدينة المعبود. وعندما سقطت بابل في القرن السادس قبل الميلاد أمام قورش (539)، أصبحت حلب مقاطعة فارسية.

وفي عام 333 قبل الميلاد، إثر الانتصار في معركة السوس، الواقعة على بعد عدة كيلومترات شمال الإسكندرونة، انتقلت السيادة على سورية من يد داريوس لتصبح في حوزة الإسكندر، وأصبحت حلب بذلك مدينة إغريقية، وغيرت اسمها ليصبح بِرهِه أو بِرُوه. وبدأت تتلقى في الوقت نفسه الحضارة الهيلينية وثقافتها. وعاشت، في أثناء اتساع امبراطورية الإسكندر وازدهارها، ظروفاً مكنتها من توسيع تجارتها. وقد ظهرت بجانبها مدن أخرى في ذلك الحين، مثل: الاسكندرونة، وأنطاكية، والسويدية1، وأفاميا، واللاذقية.

وقد حلّ الأرمن بقيادة تيفران الكبير، في عام 83 قبل الميلاد، ولعدة سنوات محل الإغريق في حلب، حتى جاء الرومان بقيادة لوكولوس وبومبه فطردوهم منها في عام 69 قبل الميلاد، وأصبحت سورية بذلك مقاطعة رومانية.

وقد شهد العصر الروماني انتشار النصرانية في سورية، فقد كانت أنطاكية أول من استقبل العقيدة الجديدة، حيث اجتمع حول القديس بيير أول مجموعة نصرانية، كانت، بحسب الأخبار، تجتمع في مغارة معروفة في شمال تلك المدينة، وتحمل اسم القديس نفسه، وتحولت إلى أول أثر نصراني مقدس. ومن أهم أعلام النصرانية الذين يشتهر بهم تاريخ حلب القديس جيروم، والقديس سمعان العمودي، ومن المعالم النصرانية المهمة آكاس مدينة بيرهه.

ومع تقسيم الإمبراطورية الرومانية في عام 395 م ، تحولت سورية لتصبح تحت السيطرة البيزنطية. وفي هذا العصر تغطت نجود حلب بالكنائس والأديرة.

وفي أواسط القرن السادس وقعت حلب، كمدينة أنطاكية، تحت الاحتلال الفارسي، وهُدم جزء منها على يد ملكهم قورش الأول في عام 540 م .

أما في عام 637 م فقد شهدت المدينة غزواً جديداً، إنه الغزو العربي بقيادة أبي عبيدة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المدينة جزءاً من الإمبراطورية العربية، وخضعت لهيمنة كل من الأمويين فالعباسيين فالحمدانيين… وفي عام 962 م استطاع القائد البيزنطي نيقفور فوكاس، الذي سيصبح بعد فترة قصيرة من الزمان إمبراطور بيزنطة، أن يشتت شمل جيش سيف الدولة أمير حلب العظيم، وأن يسبي المدينة، لينسحب منها بعد فشله في السيطرة على قلعتها. وفي عام 969 م استطاع البيزنطيون إخضاع حلب وفرضوا عليها إتاوة سنوية تدفعها لهم. وقد خضعت المدينة، بعد موت سعد الدولة آخر الحمدانيين، لنفوذ الفاطميين في مصر، ومن بعدهم لنفوذ الأتراك والسلاجقة، الذين دافع أمراؤهم عن المدينة ضد الصليبيين الذين كانوا قد سيطروا على أنطاكية منذ عام 1098 م . وقد حاصر بوهيموند حلب في عام 1100 م من غير أن يتمكن من احتلالها؛ إلا أن تانكرد استطاع في عام 1109 م أن يفرض على الأمير رضوان إتاوة سنوية لصالح إمارة أنطاكية.

وقد قام أمراء حلب بالتحالف مع الصليبيين لقتال جيرانهم المسلمين تارة، وبالتحالف مع أمراء الموصل ودمشق لقتال الصليبيين تارة أخرى. ولكن حلب أصبحت مركز المقاومة الإسلامية ضد الفرنجة عندما كانت تحت حكم نور الدين السلجوقي. حتى أن رينو دي شائيلون ظل سجيناً فيها من عام 1160 إلى 1176 م . وقد شاركه في السجن فيما بعد خليفته على أنطاكية بوهمند الثالث ورايموند الثالث حاكم طرابلس وجوسلين وهيج دولوزينان.

وبعد موت نور الدين أسس صلاح الدين الحكم الأيوبي، ودخل حلب في عام 1183 م : وقد قام ابنه الملك الظاهر بترميم القلعة وتحصين المدينة، كما شهدت حلب في عصره، كما في عصر سيف الدولة، ازدهاراً في الفنون والآداب. فقد كان هذا السلطان يحب أن يجمع من حوله الشعراء والمؤرخين والعلماء، الذين كان من أشهرهم كمال الدين مؤلف كتاب ” تاريخ حلب ” وجريجوار أبو الفرج، أسقف حلب للسريان اليعقوبيين، الذي كان عالماً وطبيباً.

عندما غزا المغول سورية للمرة الأولى في عام 1260 م احتلوا حلب ودمشق. إلا أن بيبرس قائد جيش السلطان المملوكي في مصر أخرجهم في العام نفسه، وأقام في حلب بعد أن أعلن نفسه سلطاناً. وقد استطاع بيبرس نفسه أن يطرد الفرنجة من أنطاكية نهائياً في عام 1268 م . إلا أن حلب تعرضت مرة ثانية للاحتلال والسلب على يد المغول بقيادة تيمورلنك في عام 1400م . وقد قام قايتباي، أحد أمراء المماليك بإغناء حلب بعدد من المباني كان أشهرها القاعة الكبيرة فوق حصن مدخل القلعة.

وفُتحت حلب من قبل سليم الأول في عام 1516 م ، ومنذ ذاك التاريخ إلى يومنا هذا ظلت المدينة تحت السيطرة التركية2. وهذا ما يشكل نهاية التاريخ السياسي للمدينة. فلم تعد حلب منذ ذاك أكثر من ولاية باشوية في المملكة العثمانية، واقتصر تاريخها المحلي على خصومات داخلية، من صراعات دينية أو تمردات كانت تجاوزات حكامها تدفع الناس إليها. ولكن المدينة استطاعت، بفضل ميزاتها أن تكرس، في إطار الإمبراطورية العثمانية الشاسعة، دورها الاقتصادي، وازدهارها التجاري.

في هذا العصر، وعلى إثر اتفاق أُبرم بين سليم الأول وفرانسوا الأول في عام 1536 م ، ظهر نظام الامتيازات الأجنبية الذي سمح بموجبه لفرنسا بتولي حماية النصارى الخاضعين للحكم التركي. وتلقت حلب قنصلاً فرنسياً، وأُقيمت فيها عدة رهبانيات دينية وذلك منذ القرن السادس عشر.

وقد عرفت سورية في عام 1833 م الحكم المؤقت للمصريين وذلك بعد الانتصار الذي حققه إبراهيم باشا على الأتراك قرب حمص في تموز من عام 1832 م .

وقد جاء انتصار الحلفاء في عام 1918 م ليضع حداً للسيطرة التركية، وليجعل من سورية أمة مستقلة، وضعتها جمعية الأمم تحت الانتداب الفرنسي بشكل مؤقت. وفي عام 1920 أُنشِئت دولة حلب التي ضمت كل سورية الشمالية. وفي عام 1924 حصل تغيير إداري، أصبحت بموجبه كل من حلب ودمشق مركز ولاية، وضُمت هذه الولايات في دولة واحدة عاصمتها دمشق وتشكلت بذلك دولة سورية.

جمال حلب – حلب مدينة من الحجارة ^

حلب مدينة من الحجارة: كل شيء من الحجارة، الواجهات والأدراج و”الدرابزين” والطرقات، وهو ما شكل جمالية متفردة للمدينة، وهي تنبع من انطباعات القوة والخلود والنبل والصرامة التي يوحي بها الحجر بخطوطه الصلدة والمحددة. ومصدر هذا الحجر هو أرض المدينة التي تقدم بغزارة، الحجر الكلسي ذا اللون الأصفر لون الشمس، والحجر الكلسي الأبيض الجميل، المطواع تحت أيدي المعماريين، والذي تزداد صلابته مع مرور الزمان ثم يتأكسد ليتحول لونه إلى شقرة جميلة؛ وأخيراً الحجر البازلتي الأسود الذي يلمع كالمعدن.

وحلب واحدة من أغنى المدن بالأوابد الإسلامية. فقد كانت طيلة القرنيين الثاني والثالث عشر مركز المقاومة ضد الصليبيين. وقد ترافق الجهد الحربي بشكل رائع مع حركة قوية للفكر،ونزوع حماسي نحو تجديد الدراسات الإسلامية. وتملك مدرسة حلب الفنية شخصية واضحة جداً مطبوعة إلى حد ما بمثالية صوفية، تتجسد بالاتزان والرصانة؛ حيث لا نجد أي ميل للضخامة والغرابة؛ والمطلوب هو الوضوح والإحساس و النسق وليس التأنق وإثارة الإعجاب واللون. إن هذه الجمالية ذات النظام المهني “التقني” تتطلب ممن يريد أن يعطيها حق قدرها تدريباً خاصاً على الدوام تقريباً.

وتعود معظم الأبنية المهمة إلى ذلك العصر. ولعل نوعية المواد وبراعة الحجارين المدهشة في تقطيع الحجارة وتشكيلها ونحتها، والشعور بضرورة إنشاء أعمال قوية ومتينة، أدى إلى ولادة أوابد بلغت الكمال الذي جعلها تخلد حتى يومنا هذا.

وقد توسعت حلب على شكل أرومة شجرة، من خلال دوائر تتخذ من القلعة مركزاً لها. وكل شيء فيها ما زال يبدي اهتماماً بالغاً بالأمان: فكل بيت هو قلعة لا تنفتح على الشارع إلا من خلال باب ضيق مدرع ومسمر بالحديد، والبيت هو محور الحياة العائلية حيث يوجد البئر والديوان والأشجار وبعض الورود. ولكل حي باب أيضاً يٌغلق في المساء، وفي حالات الاضطرابات، لحماية سكانه من المغيرين أو من اعتداءات الطوائف المجاورة. وقد احتفظت المدينة زماناً طويلاً بالبيوت ملتفة حول قلعتها، من غير أن تسمح لأي ضاحية أو حي بالمغامرة خارج الحماية التي يوفرها السور. وهذا ما جعل الحلبيين الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف يعيشون متزاحمين في المدينة العظيمة التي تعود إلى القرون الوسطى، حيث نجد أنها حافظت على فن العمارة العربي أفضل من أي مكان آخر. إلا أننا نجد اليوم مجموعة من الأحياء الجديدة التي خرجت على طوق المدينة القديمة، ولكنها ما زالت تحتفظ بأمانة الروح البراقة للشرق، وتقدم في الوقت نفسه كل الراحة والرفاهية التي تقدمها المدينة الحديثة.

ويمكن أن نعزو جاذبية حلب إلى عدة أسباب، إذا حاولنا تعدادها فسوف نستطيع تحديد المظاهر الجمالية لحلب: فبداية نجد القلعة التي تستحق وحدها عناء الزيارة، ثم هناك الأسواق والخانات ومن ثم الأبنية الأثرية الأخرى ولاسيما المساجد والسور، وأخيراً المتحف. وقد يبدو للوهلة الأولى أسلوباً غريباً أن نسمي حياً كاملاً قبل أن نحدد مبنى معيناً؛ والحق أن سحر حلب يكمن، صدقونا، بشكل خاص في تلك المجموعة، النادرة جداً اليوم، من الأحياء القديمة حيث تكثر الأبنية الجميلة التي تكتشفها أينما توجهت في نزهاتك عبر الشوارع الطويلة الضيقة والمتعرجة، والتي تظللها شرفات من الحجارة تعلوها مشربيات من الخشب. إن كثيراً من المدن أصبحت مشهورة بفضل عدد من أوابدها المشهورة التي تمثل شواهد نادرة على ماضيها، إلا أن قلة من المدن، كمدينة حلب القديمة، تمتد بما هو كاف لخلق جو العصور الوسطى حول المتجول لتأخذه بعيداً عن عصره وتغوص به في جو الشرق. وفي حلب يمكن للمرء أن يتسكع بلا نهاية ويظل على ثقة بأنه سيستمتع بما هو جديد، ومن غير أن يخاطر برؤية نفسه وقد صحت من افتتانها الطويل.

مشارف حلب ^

يحيط بحلب عدد من المرتفعات الطبيعية التي يمكن منها رؤية كامل المدينة. حيث يبدو مشهد رائع للبحر من الأسطحة البيضاء، ذات الخطوط الأفقية المتناسقة، التي لا يقطع تناغمها إلا قبة مكورة هنا، أو مئذنة رشيقة هناك. وعلى الرغم من تجاور ثكنة الخيالة وثكنة الأتراك، وباب الحديد، وساحة العقبة، ومئذنة القلعة، إلا أنه لا يوجد أي تشابه فيما بينها.

القلعة ^

من بعيد، وأنى اتجهت إلى حلب، فإن أول ما يُرى هو القلعة، التي يدعوها العرب “الرابية المجنحة” بسبب أبراجها. والتل الذي يشكل قاعدة القلعة، وهو نصف طبيعي ونصف صناعي، يرسم شكلاً بيضوياً ضخماً طوله خمسمائة متر، وعرضه أربعمائة. وقد قامت كل من الحضارات التي تتالت على القلعة بهدم ما كانت قد أنشأته سابقتها، أو بإضافة معالمها الخاصة بها. إنها اليوم قلعة عربية، إلا أننا نجد فيها آثار البيزنطيين والإغريق والسريان والحثيين. وهي إلى الآن لم تكشف عن كل أسرارها، حيث يوجد تحت التراب والأنقاض قلعة ثابتة تنتظر اكتشافها. إنها السراديب والمنشآت الأرضية الضرورية لحياة رجال الحامية الكثر فهناك ملاجئ، ومستودعات، وصهاريج، وقنوات مياه، وممرات تؤدي إلى عدة أقسام من السور أو للاتصال بالمدينة. ولا يوجد في القلعة ماء، وقد انصبت الجهود الأساسية في البناء على إقامة شبكة كاملة من القنوات تحمل من الخارج ذلك السائل الثمين ” الماء”. وتجب الإشارة إلى أن الحفريات تجري حالياً.

ويعود تاريخ القلعة الحالية إلى القرنين الثالث والرابع عشر الميلاديين، وهي تشكل أجمل ما تركه العرب في فن البناء العسكري وبقي سليماً إلى اليوم، فهو نموذج رائع للبناء حيث تشترك قوة العمارة مع علم الهندسة بتوفير أفضل حماية لسكانه.

وتتمتع القلعة بثلاثة حواجز دفاعية: الحاجز الأول هو خندق يبلغ عمقه عشرين متراً كان في الماضي ممتلئاً بالماء دائماً. وبعد تجاوزه يتوجب على المهاجم تسلق انحدار التلة المغطاة بدرع حقيقي من الحجارة المرصوفة جيداً والمسمرة بالتلة بواسطة عدد كبير من الأعمدة –تقول الأسطورة إنها ثمانية آلاف- المغروسة عميقاً في التراب، وهو ما يشكل الحاجز الثاني. أما الحاجز الثالث فهو جدار السور الذي ينبغي على المهاجم أن يتسلقه. وهذه الأحزمة الدفاعية الثلاثة جعلت القلعة عسيرة على الاقتحام. ويمكن تصور أي مذبحة تنتظر مهاجمي تلك القوقعة الملساء.

وكان السور، المدعم بأبراج مستطيلة وسداسية، قد تعرض لهزة أرضية في عام 1822؛ وهناك حصنان متقدمان مقامان على منحدر التلة في الجنوب والشمال، كانا يسهلان الدفاع ويتصلان بداخل القلعة عبر سراديب.

وباب القلعة المؤدي إلى داخلها محاط بعدة احتياطات لمنع وقوع المفاجأة. إذ إن هناك جسراً ضيقاً يعود إلى القرن الثالث عشر مبنياً عل ثمانية قناطر فوق الخندق، ومحمياً من طرف مدخله ببرج يبلغ ارتفاعه ثلاثون متراً يصله بحافة الخندق عبر جسر متحرك. وقد أُقيم على الممر المتعرج الذي يجتاز البرج الأكبر في السور إلى داخل القلعة، باب حديدي عند كل منعطف. وفي أعلى هذا البرج، وهو الجزء الأكثر مناعة في السور يوجد مقر الحاكم بقاعته الملكية الرائعة التي تعود إلى القرنين الرابع والخامس عشر.

ويتألف مدخل القلعة من بهو يشكل امتداداً للجسر، وينتهي عند جدار يصطدم به المهاجم. ويزين العقد الذي يقع فوق المدخل نحت بارز لثعبانين برأسي تنين. ولا يفتح باب المدخل مواجهة بل يقع على اليمين. وهكذا فإن على المعتدي أن يهاجم بؤراً قاتلة حيث الرصاص المذاب لا ينضب أبداً، أضف إلى ذلك أن المُحاصِرين يقاتلون من غير ماء تحت الشمس، على حين أن المُحَاصَرين يقيمون في ثكنة باردة، وواحة من الحجارة تقع فوق صهاريج الماء العميقة.

وبعد باب الثعابين، هناك باب ثان يدعى باب الأسود، وثالث يدعى باب الأسدين الضاحك والباكي يؤدي إلى مركز القلعة حيث لم يبق إلا أبنية مهدمة: كالقاعة البيزنطية الكبيرة والتي قاومت حجارتها الهزة الأرضية في عام 1822، ومسجد إبراهيم الذي بُني، بحسب الأسطورة في الموقع نفسه حيث كان الشيخ يحلب بقرته. أما مسجد القلعة فقد هدمه مغول تيمورلنك في عام 1400، ولم يبق منه إلا المئذنة.

وعلى الرغم من الخراب الحالي، فإن القلعة التي تنتصب تحت السماء الزرقاء بتاجها المبني من الحجر الأشهب ما زالت تملك من القوة والعظمة ما يكفي لإدهاش المسافر وجعله يرى فيها قوة شعب بناها في الماضي لتأمين سلامته وحماية ممتلكاته.

الأسواق ^

تقع القلعة في وسط حلب، وتشكل محوراً فكل شيء يتطور من حولها من غير أن يمسها. لقد بُنيت للسيطرة على المدينة وفي الوقت نفسه للدفاع عنها، إلا أنها فقدت أهميتها تلك منذ أن أصبح الحاكم لا يسكن فيها؛ ومرة أخرى أظهر المستقبل السياسي أنه زائل. فالمدينة في مكان آخر، إنها في الأسواق. هكذا يسمى ذلك القسم من المدينة المخصص للتجارة، حيث تتجمع الدكاكين والصناعات اليدوية بحسب المهن، كما كان الحال في العصور الوسطى في الغرب: سوق الطرابيش، وسوق الصرامي الحمر، وسوق الجوخ، وسوق الحرير، وسوق الحبال، وسوق الطناجر، وسوق العلبية، وسوق المؤن، وسوق العطارين، وسوق اللحامين، وسوق السروجية.

وتشكل أسواق حلب، بفضل امتدادها ونظام بنائها، وأصالتها ودورها الحالي المهم كسوق تجارية، واحداً من أجمل معالم حلب. إنها ليست مجرد ستائر قماشية تحمي من الشمس، كما هو الأمر عادة، ولكن بناء سميك الجدران تبدو فيه الشوارع وكأنها قد حُفرت كالسراديب في مقلع للصخور. وتقوم قبة مستديرة عند كل ملتقى لعدد من الشوارع على طريقة بناء الكنائس، وتوجد أبواب ضخمة عند المداخل الرئيسة للسوق. ومن مكان إلى آخر تتسلل حزم من نور الشمس كضوء “البروجكتور” من الفتحات الموجودة في السقف، لتضيء الحجارة البازلتية من غير أن تبدد العتمة المخيمة في جوانب السوق، بحيث يتجاور النور والعتمة من غير أن يتمازجا. على حين أن المدينة مغمورة بنور مبهر، ويبدو كل شيء فيها وقد تكلس تحت أشعة الشمس المحرقة. أما الأسواق، فبفضل استقامة الدكاكين وضيق الممرات، فهي تسبح في ظل بارد حيث تنتشر العطور النافذة، وتمتزج عتمة زاخرة وصاخبة بدفقات من الضوء المبهر من مكان إلى آخر.

كل شيء هنا شرقي، الألوان المحلية والقديمة: الدكاكين الضيقة الشبيهة بالنوافذ في سراديب الأموات، والباعة المقرفصون وراء بضائعهم، والصناع الذين يعملون أمام عينيك، وآلاف البضائع القادمة من كل أطراف آسيا، وأسواق مزينة بالأقمشة، ونسيج مطرز بالذهب والفضة، وعرض لايقاوم لكل أنواع الحرير الآسيوي، وبراقع، وأحزمة، وسوق الألف سجادة، وطاقيات من اللبد أو من الصوف، وبابوج من الجلد الأحمر، وسوق متوهج للنحاس بضجيجه الذي يصم الآذان، وعطور وبهارات، وفواكه، وخضار، وحلويات من كل الأشكال والألوان.

شرقية أيضاً أصوات الناس، ونداء الباعة وصياح أصحاب الحمير والجمال، دافعين حميرهم الصغيرة وسط المارة، أو جمالهم المتكاسلة التي تؤرجح رؤوسها فوق جمهرة الناس، وقرقعة الطاسات المعدنيةالتي بفضلها يعلن باعة المشروبات الباردة عن حضورهم،وضجيج المحادثات والنزاعات.

شرقية هي أيضاً الروائح، وبخاصة عطر التوابل التي يغلب عليها البهار والزعفران أحياناً، والفانيليا السكرية أحياناً أخرى، أو الرائحة النفاذة للحم الضأن المشوي على فحم الحطب أيضاً.

وليس لكل هذا من نهاية: عشرون كيلومتراً من الأسواق، وربما أكثر، تتعاقب وتتقاطع وتنعطف وتتشابك لتشكل متاهة يمكن أن يضيع المرء فيها. إنها معجزة شرقية تعود بك إلى الماضي عدة قرون.

وتنفتح على الطريق المعتم فرجة من الضوء أحياناً: إنه باب أحد الخانات. فقد كان لا بد من مخازن تزود كل تلك الدكاكين بالبضائع، ولا بد لتلك البضائع من مستودعات تستقبلها وتجمعها ومن ثم توزعها. وذلك هو دور الخان الذي يستقبل في باحته المستطيلة القوافل كاملة حيث يؤوي تحت قبابه الجانبية الناس والبضائع والحيوانات. وما يزال عدد من هذه الخانات يحتفظ بعظمته القديمة كخان الوزير، وخان الصابون، وخان الجمرك، وخان قرطباي… على حين أن بعضاً منها ليعد كذلك، إلا أنها جميعاً ما تزال مأهولة وحية وأصيلة كما في يومها الأول.

معالم المدينة ^

تُعد المساجد في حلب من أجمل معالم المدينة وأكثرها عدداً: جامع زكريا أو الجامع الكبير، حيث يوجد ضريح تقول الأسطورة إنه قبر راشاري أبي القديس باتيست؛ وهناك جامع الحلوية بمحرابه العتيق المصنوع من الخشب المزخرف الذي يعود إلى القرن الثالث عشر، وقد بُني مكان كنيسة بيزنطية ما يزال جدار المذبح منها قائماً إلى الآن؛ وهناك أيضاً جامع السليمانية3 في مقابل القلعة حيث يرقد الملك العظيم الظاهر الغازي، وفي هذا الجامع محراب رائع يعود إلى القرن الثاني عشر مبني من الحجر الملون والذي يعد واحداً من أجمل المحاريب في مدينة حلب. وجامع العثمانية(1739) وجامع الأطروش (1403) والسلطانية، والخسروفية (1576) وجامع قيقان، وجامع التُّوبة4 أو التوتة الذكر، وجامع التوتة، أو التوتة الأنثى، والبهرمية (1583) والعادلية (1517) والسفاحية وجامع الحيّات، وجامع المهمندار أوالقاضي، وجامع التونبغا (1318)، والحميدية، والبياضية والفستق والطواشي والمقام، والدباغة والمويزيني .. وذلك إذا اقتصرنا على القديم من المساجد فقط. وإلا فإننا لن ننتهي من تعداد الأسماء إذا أردنا أن نذكر تلك المساجد المتوارية في متاهات الحارات القديمة.

وتكشف الكنائس، على مختلف تسمياتها اليونانية الكاثوليكية والأرمنية الغريغورية، والأرمنية الكاثوليكية، والسريانية الكاثوليكية، والمارونية، واليونانية الأرثوزكسية، والكلدانية، والسريانية اليعقوبية، بجمال حجارتها المتعددة الألوان، وزخارفها المنقوشة وأيقوناتها المذهبة،وتلألؤ ثرياتها، عن البذخ الذي تتسم به طقوس العبادات المشرقية. والكنيس الكبير هو أحد أندر المعابد في حلب وأقدمها.

وتوجد في أكثر الحمامات والمدارس زخارف رائعة. أما البيوت القديمة فما زال عدد كبير منها، بباحاتها وممراتها وليواناتها ونجارتها والأواني الخزفية، يشهد بالجهود المبذولة لجعل حياة المرأة المنعزلة سهلة وعذبة؛ فكل شيء متوفر، الخضرة والزهور والأشجار كالكباد والليمون والبرتقال، بالإضافة إلى الياسمين والحناء، ونوافير المياه، والعطور لبعث جو من البذخ والمتعة تُتذوق الحلويات وتُدخن النرجيلة.

ويحتفظ متحف حلب بمجموعة رائعة من الآثار الحثية والسريانية من أسود وشياطين مجنحة كانت تحرس القصور القديمة، ومن عاج نُقشت عليه مشاهد دينية. إنها مجموعة نادرة تعود إلى الألف الثالثة والثانية والأولى قبل الميلاد. وتشكل مغارات حلب بممراتها المتعددة والمجهولة مدينة حقيقية تحت الأرض تضم آثاراً مهمة لقبور تعود إلى عصور موغلة في القدم.

ويتخذ السور في حالته الراهنة شكلاً مربعاً. ويتوزع عليه ثلاثة عشر باباً، بعضها في حالة ممتازة كباب أنطاكية وباب قنسرين وباب المقام وباب الحديد.

وعلى مقربة من المدينة يقع جامع الشيخ أبي بكر وجامع الفردوس، وعدد من المقابر بأضرحتها القديمة التي تتناثر فيما بينها أشجار الصنوبر والسرو. وليس بعيداً من المدينة توجد كروم الزيتون والفستق التي تحيط بحلب مشكلة سوراً ثانياً. وحيثما نظرت ومن أية جهة فإنك تطل على المدينة، وترى قلعتها التي تشكل المركز فيها.

وعندما تميل الشمس إلى المغيب وراء الأفق تبدأ جدران الأبنية، ولاسيما القلعة العظيمة بتغيير ألوانها من السمرة الذهبية إلى الأرجوانية لتأخذ شيئاً فشيئاً لوناً خمرياً تزداد قتامته من لحظة إلى أخرى.

إشعاع حلب ^

حلب، مركز اقتصادي ^

تتفرع من حلب وتتجه إليها دروب القوافل والسكك الحديدية والطرق الحديثة الجميلة: وشكلها على الخريطة هو صورة للعبارة القائلة: “عقدة مواصلات” .

إن الجمال الذي تدين به حلب لفعاليات أسواقها العريقة، والغنى الذي سمح لحلب بإقامة العديد من المباني الرائعة التي توجّب بناء القلعة العظيمة من أجل حمايتها، هو التعبير الواضح عن حقيقة اقتصادية الطابع: ذلك هو موقع حلب المهم على نقطة التقاء عدد من الطرق العالمية، بالإضافة إلى أهمية موقعها الإقليمي كمركز تجاري في شمالي سورية يصل بين داخل البلاد وساحلها.

وحلب هي أولاً مركز توزيع، يقع على الطريق الترابية التي تصل الفرات بأفريقيا انطلاقاً من بغداد: السكة الحديدية التي، عبر استامبول، تصل باريس ولندن بالقاهرة (قطار الشرق السريع)، ويلتقي في حلب بالخط الذي يبلغ منذ الآن نصيبين ويصل الموصل وبغداد والبصرة، عن طريق سيارات تنقل الركاب في هذه المسافة غير المنجزة.

وحلب أيضاً هي مركز تجاري، ليس للولاية التي هي مركز لها والتي تمتد على مليوني هكتار، وإنما لشمالي سورية أيضاً، ولقسم من بلاد الرافدين ومن آسيا الصغرى التركية.

ولعل ميناء الأسكندرونة المهم يدين بكامل حركة النقل فيه إلى التجارة الحلبية التي تغذي من جانب آخر جزءاً لا بأس به من الحركة التجارية في كل من مينائي طرابلس وبيروت.

وبفضل الأمان والتشجيع اللذين تقدمهما فرنسا، فإن سورية بدأت تتزود وبسرعة فائقة بالطرقات وبالطاقة المائية، وبذلك نشهد مستقبل حلب وهو يتمدد. فحلب هي أكبر المدن السورية التي تقع على مقربة من الفرات. وهي موجودة على أقصر خط يصل بين هذا النهر والبحر المتوسط. ويجتاز الفرات 600 كيلومتراً في الأراضي السورية، ويجري فيه كمية ضخمة من الماء تعادل وسطياً ألف متر مكعب في الثانية. أما سهول الطمي التي تقوم على جانبي النهر بالإضافة إلى تلك التي تقع على ضفاف روافده، ولاسيما الخابور، فهي ذات خصوبة أسطورية، ولذلك فإن شمال سوريا، المروي جيداً، والذي كان قديماً مخزن حبوب الإمبراطورية الرومانية، يمكنه، بفضل الجهود المبذولة حالياً في إطار الطاقة المائية، أن يصبح من جديد منبعاً للازدهار والرفاهية.

حلب مركز سياحي ^

إذا كان موقع المدينة كعقدة اتصالات يؤمن لها مكانة اقتصادية، فإنه أيضاً يوفر لها أهمية سياحية. فالجمال الخاص بالمدينة، وعذوبة الإقامة فيها يجعلان من نقطة الإشعاع هذه مركزاً سياحياً ممتازاً.

وتنحدر هضبة حلب من الجبال الواقعة غرباً، والتي ينساب فيما بينها نهر العاصي باتجاهه نحو البحر، إلى نهر الفرات شرقاً، مشكلة أرضاً جرداء متعرجة، تسفعها الرياح أو تحرقها الشمس بأشعتها التي لا تجد أي حاجز يمنعها. كثير من النور وقليل من الألوان، بحيث أن الفجر والغسق وحدهما يعطيان شيئاً من العذوبة لآفاق تبدو بعيدة على الدوام.

والمواقع المعتبرة هي أولاً الحدود الطبيعية لتلك الهضبة وهي البساط المائي الممتد للفرات ومرآته المضيئة التي تجتاز الصحراء، والحقول الخضراء في وادي العاصي، وأخيراً السلسلة الساحلية التي تنحدر بشدة باتجاه البحر الأبيض.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الناس قاموا ببناء الكثير؛ ففي كل مرة تُحفر فيها الأرض نقع على آثار، وكلما تعمقنا بالحفر وجدنا تاريخ الحضارات المتعاقبة. ويعد شمالي سورية مخزناً للوثائق لا ينضب بالنسبة إلى العلماء، ومستودعاً لكل ما هو طريف ونادر بالنسبة إلى السياح. ويبدو علم الآثار في سورية شيئاً حياً: ففي كل سنة تتغير المعالم التي تركها القدماء، كما لو أنها حية تتبدل أمام عينيك. والمواقع الأكثر أهمية المنتشرة حول حلب هي: الآثار الحثية والسريانية والكلدانية التي تقع في الشمال والشرق وباتجاه الصحراء والفرات، والآثار الإغريقية والرومانية والبيزنطية والصليبية التي تقع في الغرب باتجاه العاصي والساحل.

نحو الفرات والصحراء وبغداد ^

هناك طريق يتجه نحو مسكنة، حيث يمر الفرات بأقرب نقطة من البحر المتوسط، ومسكنة أو بارباليوس الإغريقية هي واحدة من أقدم الموانئ النهرية في سورية. وتنتصب في وسط المدينة مئذنة الجامع الكبير المثمنة، والتي ما تزال سليمة تماماً، وكذلك جزء من مقر الحاكم الروماني جوستنيان. ومن هناك يستمر الطريق متتبعاً وادي الفرات حتى يصل إلى الرقة ودير الزور، لينحدر بعدها باتجاه بغداد والخليج الفارسي.

نحو الفرات الأعلى والمدن السريانية والحثية القديمة ^

ويوجد طريق آخر في شمالي حلب يتجه إلى الباب حيث توجد خرائب القلعة العربية التي يمكن رؤيتها من بعيد، وهي مدينة غنية بالبساتين، ومن ثم يتجه الطريق إلى منبج وهي قديماً مابوج السريانية وهيرابولبس الرومانية التي بني فيها المعبد الرئيسي تمجيداً لـ “اتراجاتيس”، وبعد منبج يأتي تل أحمر حيث كان الفرات يمر قديماً، وحيث نرى التل ما زال يحتفظ ببقايا قصر سرياني يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد، ويتابع الطريق سيره متجهاً إلى جرابلس، واسمها القديم كركيميش إحدى آخر عواصم مملكة الحثيين، والمكان الحصين الذي انطلقت منه مقاومتهم ضد الغزوات السريانية، وحيث القلعة ما تزال تحتفظ بزخارفها البارعة. وأخيراً فإن الطريق يصل إلى أرسلان-طاش المعروفة من قبل علماء الآثار بأسديها الحجريين العظيمين اللذين يحرسان مدخل القصر السرياني فيها.

نحو الاسكندرونة ^

وثمة طريق آخر يقود إلى الاسكندرونة، وميناء حلب. وقد دارت في شمالي المدينة معركة السوس التي انتصر فيها الإسكندر وفتحت له أبواب سورية ومصر. وقد أسس المدينة أحد قادة الإسكندر واسمه سلوقس نيكتور في حوالي عام 290 قبل الميلاد، ويُعتقد أنها بنيت على أنقاض مدينة فينيقية قديمة لم يعثر على مكانها بالتحديد. وقد أدت الحفريات الأخيرة إلى الكشف عن المدينة الرومانية التي كانت مبنية على المرتفعات التي تشرف على المدينة الحالية بعيداً عن الأمراض الطاعونية التي كانت تتسبب فيها.

وقد جُففت هذه المستنقعات منذ قيام الانتداب الفرنسي، وعادت الاسكندرونة لتصبح مدينة صغيرة مغناجة من مدن البحر المتوسط، وهي تدين بجمالها وقيمتها السياحية إلى جمال موقعها وروعة البيئة المحيطة بها.

نحو القديس سمعان والعاصي وأنطاكية والبارا ^

يمر الطريق الذاهب إلى أنطاكية بباب الهوا أولاً، وهو قوس نصر بُني في القرن السادس على الطريق المؤدية إلى القديس سمعان. وفي الواقع فإن أغلب الكنائس المسيحية التي تشكل كنزاً أثرياً سورياً موجودة في جبل سمعان قرب حلب. وقد كانت هذه الكنائس محاطة بمدن كبيرة تأثرت كثيراً بالهزات الأرضية، ولم يبق إلا الكنائس التي كانت مبنية من الحجارة، والتي يعود أقدمها إلى نهاية القرن الرابع الميلادي، أما الحديثة منها فترجع إلى ما قبل الفتح العربي. وأشهر هذه الكنائس حقاً تلك التي بُنيت في نهاية القرن الخامس حول عمود القديس سمعان العمودي. فقد أراد هذا القديس أن يعيش بمعزل عن الناس، ولذلك فقد أقام لنفسه عموداً كان يزيد في ارتفاعه زمناً بعد زمن حتى بلغ ارتفاعه اثني عشر متراً، عاش فوقه حتى وافاه أجله. وقد كانت منذ زمن ذلك القديس وإلى اليوم تنظم رحلات الحجيج الذين كانوا يزدادون عدداً وحماسة يوماً بعد يوم. إنها كنيسة ضخمة ولدت من ورع المؤمنين وقامت فوق الأرض، وهي تعد أكبر أثر مسيحي في العالم قبل بناء كنيسة القديسة صوفي في “القسطنطينية”. ويتألف مبنى الكنيسة من أربعة إيوانات (بازليك) لكلٍ منها ثلاثة أجنحة تشكل في بوابتها ساحة مثمنة الزوايا يوجد في وسطها العمود المقدس. وهذا التصميم الصليبي الشكل هو الوحيد في تاريخ الفن المسيحي.

وتقع مدينة أنطاكية على العاصي، وقد بناها سلوقوس نيكتور في عام 301 قبل الميلاد، وكانت المدينة على التتالي عاصمة لسورية الإغريقية وسورية الرومانية، وسورية البيزنطية ومن بعدها سورية الإفرنجية الصليبية. وقد استطاعت هذه المدينة أن تصبح ذات يوم الموقع الثالث أهمية في الإمبراطورية الرمانية. وقد كانت المدينة مهداً من مهاد المسيحية إذ أقامت فيها جماعة القديس بيير. إلا أن كل ذلك قد اختفى بعد أن دمرته الزلازل وابتلعه طمي العاصي. ووحده مازال قائماً بكل سحره ذلك المنظر الأسطوري الذي لا ينسى لقمة جبل سيلبيوس الذي يشكل حماية طبيعية للمدينة من طرف الشرق، وهي قمة متوجة ببقايا سور المدينة القديمة. وهناك أيضاً العاصي الصاخب عند النواعير التي تئن في الغرب، وأما في شمال المدينة وجنوبها فهناك الحقول التي يتموج فيها الحصاد الوفير. إنها اليوم مدينة صغير، يغلب عليها طابع حوض المتوسط بمآذنها، وأرضها غنية بآثار الماضي القديم.

وعلى مسافة ثمانية كيلومترات من المدينة يقع معبد دافنه الذي يذكر بالحورية التي كان يطاردها أبولون والتي تحولت إلى شجرة غار.

وتقع السويدية قرب أنطاكية عند مصب العاصي في البحر الأبيض، وهي مدينة صغيرة كانت قديماً تدعى سلوفي، حيث قام الرومان بإنجاز عمل ما يزال يبهر إلى اليوم. فقد كانت أنطاكية ميناء هاماً بالنسبة إلى الرومان، يأتي إليه من روما الموظفون والجنود ومعدات الحرب، وكان الميناء يتعرض باستمرار إلى الانسداد بسبب الطمي الذي تمله السيول، وهذا ما جعلهم يحولون مجرى تلك السيول لتصب في البحر مباشرة عن طريق نفق ضخم حفروه في الجبل.

وعندما كانت أنطاكية مزدهرة، لكونها حاضرة دينية ومدينة تجارية في ذلك الزمان؛ فقد كانت المرتفعات التي تطل على العاصي من جهة الشرق مليئة بالدارات والفنادق والقرى، والأديرة. وجاء الغزو الفارسي ومن بعده العربي ليضع حداً لهذا الازدهار، فقد تخربت المدينة وأصبحت مهجورة شيئاً فشيئاً بفعل الزمان والإهمال. وما زال عدد كبير من تلك الآثار يقاوم الزمان وقد غطته الأعشاب وأثرت فيه رياح الشتاء وأمطاره. ويمكن اليوم أن تسير عبر الشوارع لتصل إلى الساحة العامة أو إلى الكنيسة حيث توقفت الحياة منذ أربعة عشر قرناً. ومن أجمل هذه الآثار وأكبرها مدينة البارا التي ماتت منذ العصر البيزنطي، والتي ما تزال أوابدها من القرن الخامس والسادس تظهر فوق الأعشاب التي غطتها، إنها مدينة نام سكانها كما لو كان الأمر يدور في حكاية من الشرق.

نحو قلعة صهيون واللاذقية وبيروت ^5

ويوجد طريق آخر يتجه نحو الجنوب مشكلاً محور شبكة الطرق السورية. فهناك فرع يتوجه نحو اللاذقية وبيروت ويمر بالغرب من قلعة صهيون، قصر ساعون، التي تعتبر واحدة من الأوابد الأكثر تجسيداً لفن البناء العسكري عند الصليبيين. وهي تتحكم بوادي العاصي في جنوبي أنطاكية وتدافع عن الطريق المؤدية إلى المدينة. وقد شُيدت هذه القلعة فوق نتوء صخري، وتضم بين جنباتها أكثر من خمسة هكتارات، وبُني السور من الجانبين فوق منحدر، أما من الجانب الثالث فقد قام الصليبيون ليكملوا الدفاع عن القلعة بحفر خندق في الصخر طوله 130 متراً وعرضه 20 متراً وعمقه 28 متراً. وقد صُمّم عرض الخندق ليكون من الصعب مد جسر فوقه من غير دعامة وسطية، ولذلك فقد نحتوا من الصخر مسلة ارتفاعها 28 متراً لتكون دعامة. وما يزال كل هذا قائماً حتى اليوم ليعطي فكرة عن الآثار التي تركها الصليبيون في الأراضي السورية.

نحو أفاميا وحماه ودمشق وفلسطين ومصر ^

وهناك مفرق آخر يقود إلى قلعة المضيق وأفاميا القديمة. وقد كان عصر سلوسيدس نقطة انطلاق لمرحلة ازدهار باهرة شهدتها مدينة أفاميا التي تدين باسمها إلى زوجة سلوقوس نيكتور. وسوف تكشف الحفريات التي ما تزال في بداياتها عن الكثير. وقد وصلتنا جزئيات تتعلق بالماضي المشرق لهذه المدينة من المؤرخ سترابون: فهو يحدثنا، بين أشياء أخرى، عن إسطبلات المدينة التي كانت تضم 500 فيل و30000 فرس و300 من الخيول. وقد لقيت هذه الحاضرة نهايتها تحت ضربات الفرس في القرن الخامس. أما في عام 1106 فقد احتُلت المدينة من قبل تانكرد الإفرنجي وأصبحت بذلك قاعدة متقدمة للسيطرة الإفرنجية. وفي عام 1149 استطاعت جيوش نور الدين إجبار المدينة الإفرنجية على الاستسلام. وقد كانت إقامة الفرنجة في هذا المكان قصيرة لم تسمح لهم بإنشاء قلعة كما هي العادة. إلا أن العرب قاموا ببناء قلعة فخمة توّجت قمة التل، وأحيطت بخندق دائري، وقد غطيت منحدرات القلعة ببلاط من الحجارة، كما في حلب وحمص وحماه، يجعل كل محاولة لتسلقها شبه مستحيلة.

ويتجه الطريق نحو الجنوب باتجاه حماه ومن ثم حمص حيث توجد الفتحة الكبيرة التي تؤدي إلى البحر المتوسط. وقد توجت قمة كل جبل يتحكم بهذه الفتحة بقلعة بناها الصليبيون، لتشكل سلسلة من القلاع المتقاربة لتسهيل الاتصال البحري فيما بينها؛ وهي قلعة الفرسان، وحض عكار، وكاستل بلان(صافيتا) وآريمي، وكاستل بروج (قلعة يحمور، وكوليات (القليات)، وهي قلاع تشكل بقية لقصر مارجات الواقع بين العاصي والساحل. وبالقرب من الساحل في طرطوس توجد كنيسة نوتردام التي بناها الصليبيون. وإذا تابعنا المسير باتجاه الجنوب فإن الطريق يتابع نحو دمشق وفلسطين ومصر.

وهكذا فإن حلب يحيط بها ويصدر عنها طرق توصل إلى مواقع مهمة، وطرق توصل إلى آثار مقفرة لكثير من الحضارات البائدة، وطرق تعود نحو الحياة والحيوية الجذابة المتعددة الألوان في حلب.

طبع من هذا الكتيب، الذي وضع لتمجيد حلب، 5000 نسخة

مرقمة من 1 إلى 5000 . وقد تم طبعه برعاية

J-MM بارّو BARRAU وشركائه

في باريس، في شهر أبريل من عام 1932

رقم النسخة 9554

قل لمن رام النوى عن بلدة ضاق فيها ذرعه من حرج

علـل القلب بسـكنى حلب إن في الشهـباء باب الفرج

ياشاكي النوب انهض طالباً حلب نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس

عجائـب الدنيا ثلاث جب الكلب ونهـر الذهب وقلعــة حلـب

لقد طفت في الآفاق شرقاً ومغرباً وقلبت طرفـي بينهـا متقـلبا

فلم أر كالشهباء في المنازل منزلاً ولا كقويق في المشارب مشربا

أبو العلاء المعري


1 – السويدية تعني في الأصل مدينة SELEUCIE .

2 – هذه العبارة توحي بأن الكتاب وُضع بالفرنسية قبل تاريخ طباعته في عام 1932، أي قبل الاحتلال الفرنسي لسورية، إلا
أننا في الصفحة التالية سنجد ما يشير إلى أنه كتب بعد خروج العثمانيين منها.

3 -السلطانية .

4 – التوبة ليست شجرة التوت الذكر وإنما التين الذكر .

5 – قلعة صلاح الدين .

ملفات مرفقة:

عدد الزيارات :33

أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Creative Commons License الرئيسية | مقالات | دراسات | قصائد | ندوات و محاضرات | كتب | صور | صوت | فيديو | من أنا | راسلني | خريطة الموقع Suffusion theme by Sayontan Sinha
لأفضل طريقة عرض استعمل Firefox For The Best View Use