هل فكرت في يوم من الأيام بطرح سؤال “من أنا” على نفسك؟ أم أنك تعيش مجموعة ضخمة من ردود الفعل التي يفرضها عليك أشخاص آخرون قد لا تكنّ لهم أي احترام في الغالب. هل تساءلت يوماَ ما، ماذا تريد في الحياة؟ وما هدفك فيها؟ وهل اخترت أنت هذا الهدف أم أنك تقلد فيه آخرين؟ هل فكرت في الألم والحزن اللذين يفرضان عليك نتيجة كل ذلك، وهل حاولت أن تعرف ما السعادة التي يتكلم الآخرون عليها وتسعى إليها من غير معرفة طبيعتها.
تذكر دائما أنك لا تحيا وإنما تعيش، وأنك لا تعيش في أغلب أيامك كما تريد بل كما يريد الآخرون أو الظروف مجتمعة على خلافها. في الحقيقة أنت حائر ومرتبك، وتظن أن هذا النوع من التساؤلات فلسفة غير مجدية أمام الواقع المعيش، وتدافع عن وجهة نظرك هذه ، ولكنك في لحظة ما تصحو لتدرك أنّ طرح هذه التساؤلات هي بداية الوجود الإنساني الحق، ولتعي أنّ كون أكثر الناس لا يطرحونها لا يعني أنها من غير قيمة.
سأعرض عليك تجربتين قام بهما عالمان من علماء بسيكولوجية السلوك البشري، يذكرهما إريك فروم في كتابه الرائع ( تحليل النزعة التدميرية عند الإنسان)، كان هدف التجربة الأولى دراسة أنماط السلوك الإنساني عند الفرد، ومعرفة أثر الأخلاق والقيم الاجتماعية والدينية في هذا السلوك، وهل تشكل هذه القيم وتلك الأخلاق مقياساً يحتكم إليه الفرد في سلوكه أم لا؟ أما التجربة الثانية، فكان هدفها دراسة سلوك أفراد عاديين يتمّ وضعهم في ظروف معينة، ومعرفة مدى تأثير هذه الظروف فيهم.
أجرى التجربة الأولى العالم ميلغرام (milgram) على ثمانين شخصاً اختيروا عشوائيا ممن تقدّم للمشاركة فيها استجابة لإعلان قامت به إحدى الجامعات الأميركية، وقد قسم العدد على مجموعتين: أربعين شخصاً كان عليهم القيام بدور المعلم، وأربعين آخرين يقومون بدور الطالب. وكان بإمكان المعلم إعطاء صدمة كهربائية متزايدة للطالب الذي يخطئ في الإجابة عن السؤال الذي يطرحه المعلم. وطبيعي أنّ الصدمة كانت وهمية من غير أن يدري المعلم، وذلك بالاتفاق مع الطالب الذي كان يمثل دور المتأثر بالصدمة، وكانت النتيجة أنّ35% من المعلمين، أي 14 شخصاً رفض إكمال التجربة وإعطاء الصدمة المتصاعدة للضحية. بينما أظهر 65% سلوكاً مطيعاً ومتجاوباً مع السلطة التي وظفتهم متأثرين بالأوامر التي كان يصدرها إليهم المشرف على التجربة، ضاربين عرض الحائط بالقيم الأخلاقية التي تعلّموها منذ الصغر من عدم إيذاء الآخرين. وقد سوّغوا سلوكهم هذا بأنهم لم يكونوا مسؤولين عن نتائج أعمالهم، لأنّهم ينفذون أوامر المؤسسة التي استخدمتهم قائلين: إنّ الجامعة جهة مسؤولة، وهي تعرف ماذا تفعل.
أما التجربة الثانية فقد قام بها العالم زيمبارود (Zimbardo)، وقد تمّ اختيار 24 شخصاً بوساطة إعلانات في الجرائد، على أن يقوم نصفهم بدور السجناء ونصفهم الآخر بدور السجانين، وذلك من غير أن يدري هؤلاء الأشخاص الهدف الحقيقي لهذه التجربة، بدون أن يقابل بعضهم بعضاً، وبعد أن اختبر السجناء إثر مقابلات فردية، وامتحانات نفسية وطبية، طلب منهم العودة إلى منازلهم. وبالتعاون مع دائرة البوليس قام رجال الشرطة خلال الليل بمداهمة منازلهم، والقبض عليهم بصورة جدية. وكانت الصورة قريبة من الواقعية إلى درجة أنّ خمسة سجناء أخلي سبيلهم لإصابتهم بانهيار عصبي. أما بالنسبة إلى السجانين فإن حوالي الثلث منهم مارس سلوكيات سادية في تعاملهم مع السجناء، وقد أظهرت هذه التجربة أنّ ردود الفعل فردية، وأنّها تختلف باختلاف كل فرد، فردّ الفعل متعلق بالشخصية والموقف والظروف المحيطة به.
ألا نظرت في هاتين التجربتين؟ ألم تعش في يوم من الأيام تجربة مشابهة، أو رأيت غيرك يفعل هذا؟ أما قلت وأنت ترتكب خطأ، أو تقوم بإيذاء إنسان ما قد يكون قريبا منك: أنا عبد مأمور؟ وهل كان هذا مقنعاً أمام ذاتك وروحك وأمام الآخرين، ألم تشعر بتأنيب الضمير إزاء عمل قمت به كهذا، وبعد، أما وضعت نفسك مكان الطالب في التجربة الأولى، أو السجين في التجربة الثانية، أما فكرت ما هي مشاعرك تجاه المعلم والسجان، هل كنت ستغفر لهما ما يفعلانه بك، أم هل كنت ستقبل أعذارهما وتسويغاتهما؟
متى ستكون مسؤولاً عن أفعالك، فلا تطيع أحداً يجعلك بأوامره تخالف ضميرك، ويزرع فيك الندم والأسى؟ وهو سيتركك ولن ينفعك عندما تدرك هذا. لماذا لا تبدأ بالوعي من اليوم فتحترم القيم والأخلاق التي رُبّيت عليها في مجتمعك، ورضعتها من ثقافتك الاجتماعية، وتمنعك من إيذاء الآخرين بل تربط إيذاءهم بالشرك بالله، وهي في الحقيقة لا تختلف مع القوانين التي تحكم مجتمعك والتي يخرج عليها من يجعلك تعيش دائماً في طور العبودية، أنانية منه وإقصاء للآخر ودافعه الوحيد هو طمع وجشع لا ينتهيان.
أما آن لك أن تتحرر لتتوقف عن ترداد أنا عبد مأمور، لماذا ترضى أن تكون عبداً مأموراً لبشر مثلك، وتنسى أنك في جوهرك وفي أصل وجودك عبد مأمور للذي خلقك، وأمرك بأن لا تطيع أحداً طاعة تجعلك عاصياً له وعبداً شقياً في الدنيا والآخرة. تحرر فالزمان يمضي ولن ينتظرك، وتذكر ما يقوله الشاعر الباكستاني: ستُقرأ عليك سورة يس، بعد أن تكون وحدك في القبر، ولن تتمكن من فعل شيئ، وستنتابك الحسرة والندم، وستتمنى لو أنك تعود لتفعل كل ما كنت تخاف منه من مواجهة الظلم والدفاع عن المظلومين، ومن رفض الانصياع لمن يستعبدك، إقرأها اليوم قبل فوات الأوان.









آخر تعليق