كن محور وجودك، فإنك قبل أن تكون لم يكن هذا العالم موجوداً بالنسبة إليك، وهو لن يكون موجوداً بعد مغادرتك إياه. فأنت لم تخلق لتكون تابعاً له، وإنما خُلقت لتكون عبداً لله. لا تخشَ أحداً سواه، ولا تطلب من أحدٍ غيره، ولا تسعَينَّ لإرضاء من دونه. ليكن غايتَك في وجودك، ومَن إليه تعود. تذكر أنك لم تخلق لغير ذلك، وأنك خليفته في أرضه، حيث لا سلطان على الحقيقة إلا سلطانه، ولا إرادة إلا إرادته، ولا مَلِك إلا هو، فاحرص على أن يكون هو محور وجودك، تدور حوله وتسعى إليه.
في ضوء هذا الهدف وتلك الوظيفة عليك أن تعيد ترتيب وجودك، وتوظيف كل ما فيه من أجل مساعدتك في أداء هذه الوظيفة. فالحياة حياتك، وليس لأحد فضل عليك في هذا، وموتك هو موتك، ولا أحد في الوجود يمكنه سلب حياتك. وحياتك بعد الموت هي الحياة الأبدية التي أقررت بها وسلّمت، ولكنك نسيت فأصبحت تابعاً بعد أن خلقت لتكون سيداً، وأصبحت عبداً بعد أن نسيت أنك ما خلقت إلاَ لتكون حراً.
تعلم أن الآخرين لا ينفعونك ولا يضرونك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك، فلا تجعل منهم أرباباً تخضع لهم من دون الله. حدَد علاقتك بهم من خلال هدف وجودك ووظيفته، فمن كان منهم يساعدك في ذلك فهو صديق لك، ومن كان منهم يقف عثرة أمام ذلك فهو عدو مبين. لا تغتر بما يقولون أو يفعلون أو يملكون، وتذكر أن أكثرهم تائهون ضالون، فكيف تهتدي بهم وتتبعهم في ما هم عليه، وتجعل وجودهم محور وجودك فلا تتمكن من التحرر أبداً. تحرر من تبعيتك لهم مهما كانت درجة ارتباطك بهم، ولا تركن إلا لمن تجد فيه عوناً لك على الوجود الحق. تعلم منهم ما ينفعك في هذا الوجود، واصرف نظرك عما ليس كذلك. جالسهم مادام هذا ينفعك في وجودك، وابتعد عنهم عندما ترى غير ذلك. صلهم مادامت الصلة مفيدة لك، واقطعهم عندما تصبح غير ذلك. كن غنياً بوجودك عينه، وابحث عن جوهرته على الدوام، وصاحب منهم من يكون عوناً لك على ذلك.
حياتك ليست لا نهائية في الزمان المقيد، فاحرص على أن تكون أيامك وأغلب ساعاتك في خدمة وجودك وغايته. لا تقرأ من الكتب ما لا فائدة فيه من أجل هذا الوجود، ولا تتعلم علماً لا ينفعك في ذلك، ولا تكتب بحثاً أو دراسةً أو أدباً لا يكون عوناً لك على تحقيق وجودك، ودعوةً للآخرين ليعرفوا ما عرفت. تذكر أن المعرفة اليوم لا حدود لها، ويمكنك أن تجدها بسهولة، وبخاصة ما كان منها على الأسطوانات المدمجة، وهي بمئات الآلاف، أما المعرفة التي تقدمها الشبكة العالمية فلا حدود لها على الإطلاق، ومن العبث قضاء ساعات وساعات في التنقل بين مظانها، وفي تقليب صفحات كتب لا حصر لها، وستكون الحال لا إنسانية على الإطلاق إذا ما عرفنا ما يفعله أكثر الناس، وبخاصة الشباب منهم، عند دخولهم على الشبكة العالمية.
العالم الذي نعيش فيه عالم مجنون، يسيطر عليه الظلم بسبب فقد إنسانيته، وبسبب غلبة المادة، فالذي يحكم العالم اليوم، كما لم يكن على الإطلاق، هم أصحاب المال الذين يشكلون نسبة عشرين بالمائة من سكان الأرض، يهيمنون على الباقي من خلال سيطرتهم على ثمانين بالمائة من ثروات الأرض وتحكمهم فيها، وهم لا يرونك إلا مستهلكاً منمّياً لثرواتهم، فأنت تساعدهم على ذلك بانصرافك إلى الحياة الاستهلاكية التي لا تتوقف عند حد، حتى يصبح مقياس السعادة في الحياة قدرة المرء على الإنفاق والتملك. انتبه إلى ما تشتري في حياتك وبخاصة في العقدين الأخيرين، تجد أن الذي يتحكم فيك ليس الحاجة والفائدة مما تشتري، وإنما ما هو جديد وخاصة، على سبيل المثال، الهاتف النقال والحاسب المحمول، وما تعرفه الأسواق من إفراط في الإنفاق على كل ما هو جديد، هذا الجديد الذي لا يتوقف على الإطلاق، فهو في كل أسبوع، بل في كل يوم كائن. تذكر أن هناك من يملأ أرصدته من جيبك، وهو يسخر منك لأنك وُضِعت في ظرف لن تتصرف فيه إلا كما يحب هو، ويخدم تراكم الثروة لديه.
عاشر من تحب، وافعل ما تشاء، واقرأ ما تريد، وتملك ما تستطيع ما دمت تملك معياراً في ذلك، هذا المعيار هو أنت، هو وجودك وغايتك في هذا الوجود.
1) ليكن الآخر مرآة ترى فيها ذاتك فتعرفها وتسعى إلى جوهرتها، ليكن محرضاً معرفياً لك، ومصدر وعيٍ بذاتك، لا تجعله سيدك مهما ارتقت منزلته أو علا شأنه لأنك لن تستطيع بعد ذلك التحرر منه، وإن فعلت فلتقع في عبودية آخر، تعلم منه ما ينفعك، واحرص على اكتساب ما فيه من فضائل في الأخلاق والسلوك، ولكن لا ترتبط به ارتباط التابع بالمتبوع والعبد بالسيد، فقد وُجِد هو في هذا العالم ليمكنك من التحرر، فإذا لم يفعل هذا فلا خير فيه. تذكر أن الآخر نكرة حتى تعرفه وتعرّفه، واعلم أن الحرّ منهم من تشعر في أثناء وجودك معه أنك حر، وأن السيد منهم هو من ترى نفسك سيداً في حضرته، وأن العظيم هو من يشعرك بأنك عظيم عندما تكون معه، واعلم أن الوضيع منهم هو من يشعرك بالوضاعة عند جلوسك معه، وأن اللئيم هو من يدركك الخوف عندما تفكر فيه أو تكون معه، وأن العبد هو من تشعر في مجلسه بصغارك وضعفك. لا خير ممن لا خير فيه لنفسه، فكيف تأنس بمن هو كذلك وترجو منه الخير لنفسك؟ وكيف ترجو أن يعاملك بعدل وإنصاف من ظلم نفسه وجار في ذلك؟ بل كيف ترجو أن تعرف ذاتك عند من جهل نفسه؟
لا تتفاجأنَّ إذا ما وجدت أن أكثر الناس في ضياع، وأنهم بحاجة ماسة إلى مرشد يتبعونه، أو أنموذج يحتذونه، إذا علمت هذا عذرتهم ولم تكن لهم من اللائمين. لقد وُضعوا في وسطٍ غير فاضل، وأجبروا على أن يسلكوا سلوكاً لم يختاروه هم، وأن يقولوا كلاماً لم يفكروا فيه، وأن تكون أفعالهم ردود فعل غير مفكر فيها، وذلك في الأغلب والأعم. وتذكر أن الاختلاف فيما بينهم من جهة، وبينك وبينهم من جهة أخرى أمر من سنن الله في الأرض، وعليه تقوم الحياة الإنسانية. فاقبلهم كما هم، ولا تلومنهم إذا أنجاك الله مما هم فيه، ولكن كن لهم عوناً على أن ينجيهم الله مما هم فيه.
2) افعل ما شئت مادام ما تفعله صادراً عنك أنت وفي خدمتك أنت، واعلم أن خدمة الآخرين ومساعدتهم وإغاثة ملهوفهم ودفع الظلم عن مظلومهم وإماطة الأذى عن الطريق يجب أن تكون في خدمة عين وجودك. واعلم أن أفعال الإنسان على ثلاثة مستويات: الأول إيجابي، والثاني سلبي، وبينهما الثالث وهو حيادي، ووظيفة وجودك هي معيار هذه المستويات، فكل ما يساعد في تحقيق هذه الوظيفة هو فعل إيجابي، وكل ما نأى بك عن ذلك كان سلبياً، وبينهما تقع أفعال أقرب إلى الإيجابية أو السلبية، فهي مترددة بين المستويين، لا تضر ولا تنفع، وليس فيها أذى لك أو للآخرين والحكم عليها يختلف من فرد إلى آخر وبحسب قضايا كثيرة. فاحرص على أن تكون أفعالك إيجابية، وابتعد عما هو سلبي، ولا تكثر من الحيادي. راقب نفسك وامنحها خلوة من حين إلى آخر تراجعها فيها، وترى إلى أي المستويات تنسب أفعالها، لتقوّم منها ما هو سلبي، ولتقلل ما هو حيادي. عندما تنام كل ليلة اخل بنفسك دقائق قليلة كل يوم، وزد من عدد هذه الدقائق، وكافئ نفسك بإجازة لساعات تقضيها في الأسبوع وحيداً في الطبيعة، ترتاح فيها وتعيش مع ذاتك تأنس بها وتأنس بك، وتعرفها وتعرفك، وتتذكر معها ما لكما من رفعة وسموّ ومكانة عظيمة عند الله. وستجد أنك تشتاق أكثر فأكثر إلى المزيد من تلك الخلوات بعيداً عن المشتتات والشواغل عن وجودك الحق. لن يكون هذا عبثاً أو ضياعاً للوقت وهرباً من الواقع، بل على العكس سيكون هذا من أهم ما تقوم به في حياتك، افعل هذا وأنت راغب في شحذ همتك وإعادة ترتيب قواك وتخليص نفسك من التشتت، كما تفعل مع حاسبك المحمول من إزالة تجزئة الملفات، لتعود بين الناس، وأنت قوي في داخلك لمواجهة الواقع، حرٌّ في إرادتك ووعيك، قادرٌ على مجابهة الضغوطات اليومية التي يعاني منها كل الناس، ويقهر بها بعضهم بعضاً، عندها ستكون قدوة لغيرك، وملاذاً يلجؤون إليه في ساعات الحيرة والألم والشعور بالحاجة إلى الخلاص، فتكون مصدر إسعادهم وإلغاء التجزئة لديهم.
كن طائراً حراً يأكل من صيده، ولا تكن ضبعاً يأكل الجيف وينازع عليها باقي الضواري، كن وردةً في غابة، ولا تكن وردةً في أصيص، فإن وردة الغابة لا تنتظر الماء من غير الله. اعشق من ترى فيه ذاتك، ويساعدك على أن تكون على الحقيقة، فإن المعشوق يصنع عاشقه على شِكْله، فانظر ويحك من تعشق. اعشق من به تسمو، ولا تعشقنَّ من في عشقه هبوطك وضلالك وتشتتك. تذكر أن الأيام التي تنقضي هي من عمرك المحسوب، وأنك لن تستعيدها لتعيشها بطريقة مختلفة، وتعلم أن هذه حياتك، ولا أحد سيهبك أياماً من عمره تعيشها على حسابه وإن أراد ذلك مخلصاً، فالأيام ليست وحدات “موبايلية” يتبادلها الناس فيما بينهم، إنها ثمينة جداً، فكن موجوداً بذاتك، ولا تكن موجوداً بغيرك لأنك أنت الذي سيحاسب وليس غيرك، وعش حياتك أنت نفسك ولا تسمحن لأحد أن يقول لك كيف تعيشها.
3) ليس الخوف من القراءة، ولكن مما تقرأ. في ماضي الزمان كان لا يكتب كتاباً في ثقافتنا العربية الإسلامية إلا من خبر الحياة وتثقف وتعلم، فهو يجمع مختلف أنواع المعارف في كتبه، لا يرمي من هذا إلا إلى خدمة نفسه وخدمة القارئ، لأنه ما كان يكتب إلاَ لإرضاء الله وتنفيذاً لتعاليمه في الحرص على أن يكون العلم نافعاً لأهله في الدارين، وقلما كانت تنتشر أو تُعرف أو تُخلّد عبر التاريخ الكتب أو المؤلفات التي لم تكن كذلك. ومع بداية القرن العشرين توقف هذا النمط من الكتابة لصالح كتابة أخرى كان لا يكتبها في الأغلب والأعم إلا أناس لا علم لهم ولا ثقافة، وإن كان فهي علوم غربية وثقافة أجنبية لا تصلح في جوانب عديدة لنا ولثقافتنا المرتكزة أساساً على العقيدة الدينية، التي كانت وما تزال تشكل مرجع حكمنا على القضايا التي تعرض علينا كلها. وإذا كانت الثقافة الغربية تحفل بما هو مفيد عامةً إلى منتصف القرن العشرين، فإنها في النصف الثاني منه أصبحت ثقافة استهلاكية سوقية يسيطر عليها أناس لا يعرفون قيمة الإنسان ومعنى وجوده، وأضحت هذه الثقافة عاجزة عن إنتاج أسماء لامعة وكبيرة كالتي عرفتها في القرون السابقة. ولم يستطع معظم المثقفين والكتاب العرب على اختلاف طبيعة نتاجاتهم، سواء أكانت إبداعيةً أم درسية فكرية، الاستفادة على الحقيقة من الثقافة الغربية، إذ إنهم في معظمهم ما كانوا يملكون مقياساً أو معياراً في الاقتباس أو الترجمة أو التأليف، فكان معظم ما فعلوه لا فائدة منه، بل كان ضاراً بثقافة أمتنا وهويتها.
واليوم مع وجود التقنيات الحديثة في التواصل وفي تحصيل المعارف أصبح الإنسان عامةً والعربي المسلم خاصة أكثر ضياعاً وأكثر عجزاً عن الاستفادة من المعرفة التي اختلط فيها الغث بالسمين وغلب عليه، وتضخمت تضخماً سرطانياً، معظم خلاياه قاتلة لمن يحصلها. وإذا ما تذكرنا ضياع المعيار في اختيار المعارف أدركنا حجم الدمار الذي تتركه هذه المعارف في داخل الإنسان وروحه، بل وجسده، فأصبحت الثقافة أبعد ما تكون عن إنسانية الإنسان، وأقرب ما تكون إلى الجانب البهيمي فيه الغاصّ بالجشع والطمع والبحث عن اللذائذ والاستغراق فيها ونسيان الغاية الأولى للثقافة.
ماذا تفعل في أثناء وجودك في هذا المحيط المعرفي المتلاطم الأمواج، ولا بوصلة لديك ولا طوق نجاة؟ أنت هالك لا محالة، وضال إذا لم تبحث عن بوصلة أو طوق نجاة. وذلك موجود فيك بالقوة، وتمتاز به عن سائر بني الإنسان الذين لا يملكون مرجعيتك. عد إليك تجد هذه القوة نائمة فيك، أيقظها فيك لتتمكن من إيقاظها في غيرك، وابحث عن خيرك في كل ما تقرأ، واجعل ما تقرأ محرضاً معرفياً يولّد لديك أفكارك الخاصة بك، ولا تصدقن كل ما تقرأ، بل اعرضه على مرجعيتك من خلال عقلك لتتمكن من الوصول إلى وجه الحقيقة فيه.
عليك، نظراً لاتساع دائرة المعارف، أن تستعين بخبرة من تثق به من أهل الذكر من العلماء وأهل المعرفة من الذين لم ينسوا أنفسهم، ليدلّوك على ما فيه فائدة لك، ولا تركن إلى الاطلاع على كل ما يقع تحت يدك عشوائياً، فهذا لا ينتهي على الإطلاق، والجأ إليهم لمناقشة ما تقرأ معهم، وعرض ما يولد لديك من أفكار وردود فعل معرفية عليهم، لتعرف إن كنت تسير في الاتجاه الصحيح أم لا. وكن دائماً حاضر الذهن عندما تفعل هذا، وتذكر ألا تكون تابعاً لأحد إلا بقدر ما يقدمه لك من خير في معرفة ذاتك وتحقيق مسارك نحو غايتك في وجودك. ناقشهم بأدب، ولا تخطئ بحقهم، فإنك إن فعلت فقدت احترامك لنفسك، وعليهم أن يعاملوك بالمثل وإلا فلا تكن معهم أبداً، وخاصةً إذا ما سفّهوا آراءك أو سخروا منك أو غضبوا. وكن على يقين بأن من كان كذلك منهم فهو بأمسّ الحاجة إلى التعلم.
4) تملّك ما تملك، فلا حدود للرغبة الإنسانية بالتملك، تلك سنة الله في أرضه، وما الصراع بين الناس إلا على ما لا يملكون، وقد قالت العرب قديماً: لولا وجه أصبح من وجه، ودار أوسع من دار، ودابة أفره من دابة، ما سُلَّ سيفٌ ولا هريق دم. وتذكر أن الله ما خلق الأرض وما فيها إلا لتمكينك من الاستخلاف الذي حملك إياه في ضوء العبودية له. فأنت عبدٌ مستخلَف، ولا قيمة لعبوديتك إلا بقدر تحقيق تمكينك من الاستخلاف، ولا قيمة للاستخلاف إذا لم يكن في خدمة العبودية. والاستخلاف يقتضي الملك، فأنت بحسب تملَكك لما تملك تكون خليفة، فقدرتك على تحقيق أفضل وجه من الاستخلاف مرتبطة بمدى تملَكك لما تملك. وما دام الأمر كذلك فلا حدود لما يمكن أن تملكه عندما تتمكن من تحقيق شرطين في ذلك:
الأول أن يكون ما تملكه حلالاً لا شائبة فيه، خاضعاً لما نصّ عليه الشارع في الحلال والحرام، وهو ما يتطلب منك معرفة فقهية. ولكن المعوّل عليه في هذه المسألة إنما هو القلب المستنير بنور الله، فأصل مقياس الحلال والحرام إنما هو القلب، وما الشرع إلا تعليم وتذكير لمن بهت النور الإلهي في قلبه. ولا تركن في هذا إلى الجهلة من الفقهاء أو ممن يزين لك الحرام، ويهون عليك امتلاكه، وعندما تفعل ذلك فإن ما تملكه سيكون قليلاً، لأنه ما جمع مال من حلال إلا في النادر، وخاصة عندما تتذكر ما للآخرين من حقوق فيما تملك من زكاة وصدقة. لا تخف فيما تملك أو تسعى لامتلاكه إلا الله سبحانه وتعالى، وتذكر أنه معك في كل حين.
الثاني: أن يكون ما تملكه مصدر سعادة بالنسبة إليك. وكل ما يمكن أن تملكه على ثلاثة أحوال: ما ملكته، وما تريد امتلاكه، وما فقدته مما كنت تملكه. احرص على أن يكون ما امتلكته مصدر سعادة لك بأن تكون قد ملكته حلالاً، وبأن يكون إنفاقك له في سبيل تحقيق عبوديتك واستخلافك في الأرض، فيكون مصدر سعادة لك، وإن لم تفعل فهو مصدر شقاء وتعاسة، لأنك ملكته حراماً فشقيت في ذلك، ولأنك لم تنفقه في خدمة وجودك، ولأنك كنت تخشى عليه من الضياع نتيجة ضعف ثقتك بالله ونقص إيمانك بأنه لا أحد ينفعك أو يضرك إلا بإذنه، فصار عبئاً عليك ومصدر تعاسة وألم وخوف تعيشها باستمرار. فإذا ما توالى هذا عليك نسيت نفسك فنسيك الله فكنت من الخاسرين في الدارين.
ما لا تملكه كثير جداً بالمقارنة مع ما تملك وإن كان كثيراً، فاعلم أنه لا يمكن لإنسان أن يملك كل شيء، فاحرص على أن تتملك ما لا تملكه باستغنائك عنه، والرضى بما تملك، وبذلك تكون قادراً على أن تستمتع بما تملك، ولا تُضيعنَّ هذه المتعة بتمني امتلاك ما لا تملكه وأنت تعلم أنه لا يمكن لإنسان أن يملك كل شيء، وأنه بناء على هذا ستبقى في حالة تعاسة وشقاء لأنك ستفكر على الدوام فيما لا تملكه، وستنقضي حياتك وأنت ناسٍ ما لديك، مفكرٌ فيما ليس لديك. أوَليس ما تملكه كافياً لتحقيق وظيفتك في العبودية والاستخلاف؟ إن لم يكن كذلك فلن يكون كذلك كل ما لا تملكه. إذا كان ما لديك غير كافٍ لتحقيق وظيفتك في العبودية والاستخلاف، فإن ما ليس لديك لن يكون كافياً كذلك، إذ إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وما كلفك بالعبودية والاستخلاف إلا لعلمه أن أقل ما تملكه يكفي لتحقيق التكليف، وإلا فإن الفقراء سيكونون مظلومين بهذا التكليف، وحاشى لله أن يكون ظالماً، وقد حرَم الظلم على نفسه، وجعله بين الناس محرماً.
حقق فيما تملك ما تقدم في الفقرات الأولى والثانية والثالثة التي إذا ما تمكنت منها كانت عوناً لك على تحقيق ما جاء في الفقرة الرابعة، وما معاشرتك الناس وفعلك ومعرفتك إلا معياراً للتملك. فمعاشرة الأشرار الذين دأبوا على امتلاك ما ليس من حقهم، وأفعالك الناتجة عن هذه المعاشرة، وقراءاتك الخارجة عن معيار وظيفتك، كل هذا سيكون عوناً لك على فعل ما يفعلون من فقدان المعيار في التملك وفقدان ما تملك وظيفته الأولى. أوَليست معاشرة الآخرين معيار في كل ما تفعل وتقرأ وتملك؟ أوَليس الإنسان مقلداً في معظم الأحوال؟ فإذا ما وُجِد في وسطٍ غير فاضل كان على صورته، إذ يقول: “الدنيا هكذا، ومن أنا حتى لا أكون منهم؟” أوَليس إذا فعل هذا لم يعد موجوداً بذاته، وإنما بغيره؟
كفاك تشتتاً وضياعاً، كفاك انتظاراً لحلم بالتغيير: فأنت ما تفتأ تقول غداً سأبدأ، وغداً سأغير، ولا يأتي هذا الغد وأنت سادر في غيك بنفسك، ناس أن يوماً تعيشه لن يكون له غد بالنسبة إليك. واقرأ قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” الرعد/13، وتذكر ما قاله محمد إقبال: ستوضع في القبر وتترك وحيداً وسيجلس الناس من حولك يقرؤون سورة يس، وأنت لاحول لك ولا قوة، اقرأها اليوم قبل أن تقرأ عليك تفز.









حماك الله أستاذي ومرشدي ، إني أراك من الرجال الذين اصطفاهم الله بمحبته.
شكرا من الأعماق.
أنت خير من عرفتهم وقرأت لهم وما اتمنى إلا أن اكتسب واتعلم منك المزيد
أسأل الله ان يبارك لنا بك وبعلمك ويمدّ بعمرك لتبقى زخر لنا ولشباب سوريا.
جزاك الله عنا كل خير .
حقيقى مدونة هايلة و موضوعات تجنن .. ربنا يوفقكم